تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.35

لقد أخرجنا من جو صارم وحديث في عقوبات إلى تقوى الله. والتقوى - كما نعرف - أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يؤذيه وقاية. وعرفنا أن الحق سبحانه الذي يقول ﴿ اتقوا الله ﴾ هو بعينه الذي يقول " اتقوا النار " ، وعرفنا كيف نفهم تقوى الله. بأن نجعل بيننا وبين الله وقاية. وإن قال قائل: إن الحق سبحانه يطلب منا أن نلتحم بمنهجه وأن نكون دائما في معيته. فلنجعل الوقاية بيننا وبين عقابه. ومن عقابه النار. إذن فقوله الحق: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ أي أن نتقي صفات الجلال، والنار من خلق الله وجنده. وقوله سبحانه: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ أي نبحث عن الوصلة التي توصلنا إلى طاعته ورضوانه وإلى محبته. وها هناك وسيلة إلا ما شرعه الله سبحانه وتعالى؟ وهل يتقرب إنسان إلى أي كائن إلا بما يعلم أنه يحبه؟. وعلى المستوى البشري نحن نجد من يتساءل: ماذا يحب فلان؟. فيقال له: فلان يحب ربطات العنق فيهديه عددا من ربطات العنق. ويقال أيضا: فلان يحب المسبحة الجيدة، فيحضر له مسبحة رائعة. إذن كل إنسان يتقرب إلى أي كائن بما يحب، فما بالنا بالتقرب إلى الله؟. وما يحبه سبحانه أوضحه لنا في حديثه القدسي:

" من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه "

فالحق سبحانه وتعالى يفسح الطريق أمام العبد، فيقول سبحانه في الحديث القدسي:

" ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل "

أي أن العبد يتقرب إلى الله بالأمور التي لم يلزمه الحق بها ولكنها من جنس ما افترضه سبحانه، فلا ابتكار في العبادات. إذن فابتغاء الوسيلة من الله هي طاعته والقيام على المنهج في " افعل " و " لاتفعل ". والوسيلة عندنا أيضا هي منزلة من منازل الجنة. والرسول صلى الله عليه وسلم طلب منا أن نسأل الله له الوسيلة فقال:

" إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة "

ولا نريد أن ندخل هنا في مجال التوسل بالنبي أو الأولياء لأنها مسألة لا يصح أن تكون مثار خلاف من أحد.

فبعضهم يحكم بكفر هؤلاء. ونقول لمن يكفر المتوسلين بالنبي أو الولي: هذبوا هذا القول قليلا إن حدوث مثل هذا القول هو نتيجة عدم الفهم، فالذي يتوسل إلى النبي أو الولي هو يعتقد أن له منزلة عند الله. وهل يعتقد أحد أن الولي يجامله ليعطيه ما ليس له عند الله؟. طبعا لا. وهناك من قال: إن الوسيلة بالأحياء ممكنة، وأن الوسيلة بالأموات ممنوعة. ونقول له: أنت تضيق أمرا متسعا لأن حياة الحي لا مدخل لها بالتوسل، فإن جاء التوسل بحضرته صلى الله عليه وسلم إلى الله، فإنك قد جعلت التوسل بحبك لمن علمت أنه أقرب منك إلى الله فحبك له هو الذي يشفع. وإياك أن تظن أنه سيأتي لك بما لا تستحق. والجماعة التي تقول: لا يصح أن نتوسل بالنبي لأن النبي انتقل إلى الرفيق الأعلى، نقول لهم: انتظروا قليلا وانتبهوا إلى ما قال سيدنا عمر - رضوان الله عليه - قال: كنا في عهد رسول الله إذا امتنع المطر نتوسل برسول الله ونستسقي به. ولما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، توسل بعمه العباس. وقالوا: لو كان التوسل برسول الله جائزا بعد انتقاله لما عدل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن التوسل بالنبي بعد انتقاله، وذهب إلى التوسل بعم النبي. ونسأل: أقال عمر " كنا نتوسل بنبيك والآن نتوسل إليك بالعباس؟ أم قال: والآن نتوسل إليك بعم نبيك "؟. ولذلك فالذين يمنعون ذلك يوسعون الشقة على أنفسهم لأن التوسل لا يكون بالنبي فقط ولكن التوسل أيضا بمن يمت بصلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فساعة يتوسل واحد إلى غيره يعني أنه يعتقد أن الذي توسل به لا يقدر على شيء، إنني أتوسل به إلى الغير لأني أعرف أنه لا يستطيع أن ينفذ لي مطلوبي. إذن فلنبعد مسألة الشرك بالله عن هذا المجال، ونقول: نحن نتوسل به إلى غيره لأننا نعلم أن المتوسل إليه هو القادر وأن المتوسل به عاجز. وهذا هو منتهى اليقين ومنتهى الإيمان. ولكن المتوسل به قد ينتفع وقد لا ينتفع، وعندما توسل سيدنا عمر بالعباس عم النبي كان يفعل ذلك من أجل المطر. والمطر في هذه الحالة لا ينتفع به رسول الله لذلك جاء بواحد من آل البيت وكأنه قال: " يا رب عم نبيك عطشان فمن أجله نريد المطر ". إذن فتوسل عمر بن الخطاب بعم النبي دليل ضد الذين يمنعون التوسل بالنبي بعد الانتقال إلى الرفيق الأعلى. وحتى نخرج من الخلاف. نقول: إن العمل الصالح المتمثل في " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " هو الوسيلة الخالصة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٣٦