ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي
[الحج: 52]. إن كليهما مرسل، والفرق أن الرسول يصحب وينزل معه منهجه، والنبي مرسل كنموذج هداية بمنهج قد سبق. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ وحسبوا ألا تكون... ﴾.
5.71
" وحسب " إن كانت بفتح الحاء وكسر السين فمعناها الظن، وإن كانت بفتح الحاء وفتح السين فبمعنى " عد " ، والحسبان هو أن تظن وترجع وجود الشيء. والذين أخذ الله عليهم الله الميثاق وهم - بنو إسرائيل - ظنوا أن تكذيب الرسل وقتلهم لا يكون فتنة. ويعني أنهم لم يعلموا علم اليقين، وقد رجحوا ألا تكون فتنة. والأصل في الفتنة - كما قلنا - عرض الذهب على النار ليتم تنقيته من الشوائب. والفتنة - كما نعرف - هي الاختبار، إما أن ينجح فيه الإنسان وإما ألا ينجح. فكيف جاءهم الظن أن هذا ليس اختبارا؟ لقد جاءهم هذا الظن من الخطأ الذي وقعوا فيه عندما قالوا:
نحن أبناء الله وأحباؤه
[المائدة: 18]. والخطأ الذي تمادوا فيه عندما قالوا:
لن تمسنا النار إلا أياما معدودة
[البقرة: 80]. لقد ظنوا أن الحق سيعاقبهم فقط على عبادة العجل ولن يعاقبهم على أي شيء آخر. وكان هذا ظنا خاطئا. إن المنهج لم يأت لينجي أناسا بذواتهم مهما فعلوا، ولكن المنهج جاء ليحاسب كل إنسان حسب ما عمل. ومن العجيب أنهم ظنوا الظن الخاطئ ولم يقوموا بحساب الأمر بحسابه الصحيح على الرغم من أنهم أهل تفوق في العد والحساب، فالحساب هو الذي يضمن صحة أمر أو يكذبه. ومن العجيب أن من رحمة الحق بالخلق ساعة يؤاخذهم فهو يقول: لك كذا وعليك كذا. لكن ساعة يرزقهم فهو يرزقهم بغير حساب. ولكنهم لم يلتفتوا إلى ذلك وقال عنهم الحق: ﴿ وحسبوا ألا تكون فتنة ﴾ أي ظنوا أن ذلك الأمر لا اختبار فيه وأنهم غير محاسبين عليه. ونعرف أن " أن " تنصب الفعل. وقال لي سائل: لقد سمعت قارئ القرآن في المذياع ينطقها ﴿ وحسبوا ألا تكون فتنة ﴾. وقلت له: إن هناك ثلاثة من أكابر القراء في صدر الإسلام هم: " أبو عمرو " و " حمزة " و " الكسائي " ، وكان لكل منهم أسلوب متميز. وعندما نعلم أن " أن " تنصب الفعل لا بد أن يكون الفعل الذي يليها لا يدل على العلم واليقين والتبين، " فأن " بعد العلم لا تنصب، كقوله الحق:
علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض
[المزمل: 20]. وألفية ابن مالك تقول: وبلن انصبه وكي كذابأن لا بعد علم. أما " أن " التي من بعد ظن فمن الممكن أن تنصب ومن الممكن أن يرفع الفعل بعدها، فالذي رجح وجود الفعل وأدركه إدراكا راجحا يرفع، والذي لم يكن لديه هذا الإدراك الراجح ينصب، والرفع هو قراءة الكسائي وأبي عمرو وحمزة. فقد بنوا الأمر على أن الرجحان يقرب من اليقين.
وما دام قد حدث ذلك تكون " أن " هنا هي " أن " المؤكدة، لا " أن " الناصبة ويسمونها أن المخففة من الثقيلة فأصلها أن. ﴿ وحسبوا ألا تكون فتنة ﴾. وتأتي " فتنة " بالرفع لأنها اسم تكون. و " تكون " من " كان ". و " كان " لها اسم مرفوع وخبر منصوب. وهي هنا ليس لها خبر لأنها من " كان التامة ". فهناك " كان الناقصة " وهناك " كان التامة ". ونقول ذلك حتى نتقن فهم القرآن، مثلما نقرأ قوله الحق:
وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة..
[البقرة: 280]. و " كان " فعل ماض، و " ذو عسرة " اسم كان التامة لذلك لا خبر لها لأن المقصود هو القول: وإن وجد ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة. ولا بد لنا أن نعرف ما معنى " تام " وما معنى " ناقص "؟ نعلم أن كل لفظ ننطق به يدور حول أمرين اثنين، إما لفظ مهمل وغير مستعمل وإما لفظ مستعمل. والمستعمل هو الذي له معنى يصل إلى الذهن ساعة نطقه ويستقل به الفهم، فإن كان لا دخل للزمن فيه فهو الاسم ككلمة " أرض " و " شمس " و " قمر ". وهناك لفظ لا يستقل بالفهم كحرف الجر " في " مثلا. صحيح أنه يدل على شيء في شيء ولكنه لا يستقل بالفهم لذلك لا بد أن ينضم لشيء، كقولنا: الماء في الكوب أو قولنا: التلميذ في الفصل. فإذا كان للفظ معنى ومستقل بالفهم، والزمن له دخل فيه فهو الفعل. مثال ذلك قولنا: السماء. إن السماء كانت في الماضي وهي في الحاضر وهي في المستقبل. إذن فالزمن لا دخل له بها، وكلمة: كلوا نجدها تأتي من الأكل، وهي معنى مستقل بالفهم والزمن جزء منه. ولفظ " في " يدل على معنى غير مستقل بالفهم فلا بد من أن ينضم لشيء آخر. إذن كل لفظ له معنى، وهذا المعنى قد يكون مستقلا بالفهم أو غير مستقل، فإن كان مستقلا بالفهم فإننا نسأل: هل الزمن جزء منه؟ وفي هذه الحالة يكون " فعلا " وإن لم يكن الزمن جزء منه فهو الاسم. وإن كان غير مستقل بالفهم ويريد شيئا آخر ليستقيم المعنى فهو " حرف ". وهكذا تعرف الألفاظ. والفعل هو " معنى زائد عليه زمن " كقولنا: أكل فهي تعني تناول إنسان طعاما في زمن ماض، وهكذا نفهم قولنا: " كان ". فإن قلنا: " كان " بمعنى حدوث شيء في الماضي، كقولنا " كان زيد مسافرا " فهي ناقصة. وفي ضوء هذا نفهم قول الحق: