تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.20

وساعة تسمع " إذ " فاعلم أنها ظرفية تعني " حين " كأن الحق يقول: اذكر حين قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم. ويقول الحق لرسوله ذلك لأن هذا اللون من الذكر يعين الرسول صلى الله عليه وسلم على تحمل ما يتعرض له في أمر الدعوة والرسالة سواء من ملاحدة أو من أهل كتاب. إن الحق حينما قال: ﴿ وإذ قال موسى لقومه ﴾ أي اذكر يا محمد، أو أذكر يا من تتبع محمدا، أو اذكر يا من تقرأ القرآن إذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. ولا يقول موسى لقومه: ﴿ ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم ﴾ إلا إذا كان قد رأى منهم عملا لا يتناسب مع النعم التي أنعم الله بها عليهم، وذلك - ولله المثل الأعلى - كما يقول الواحد منا لولد عاق: اذكر ما فعله والدك معك. ولا يقولن الواحد منا ذلك إلا وقد بدرت من الابن بوادر لا تتناسب مع مقدمات النعم ومقدمات الفضل عليه. فكأن قوم موسى قد أرهقوه وتحمل منهم الكثير لدرجة أنه قال لهم على سبيل الزجر ما قد يجعلهم يفيقون وينتبهون ويفطنون إلى ذكر نعمة الله عليهم، ومعنى ذكر النعمة هو الاستماع إلى منهج الله وتنفيذ أوامر الحق واجتناب النواهي. ﴿ وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم ﴾ وعرفنا أن " النعمة " يقصد بها الجنس والمراد بها النعم كلها، أو كأن كل نعمة على انفرادها خليقة وجديرة أن تذكر وتشكر، والدليل على أن النعمة يراد بها كل النعم أن الله قال: ﴿ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ﴾ [إبراهيم: 34] ومادام عد النعمة لا نستطيع معه أن نعرف إحصاءها فهي نعم متعددة. إذن فالمراد بالنعمة كل النعم لأنها اسم جنس. ﴿ وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم ﴾ وذكر النعمة يؤدي إلى شكر المنعم ويؤدي أيضا إلى الاستحياء من أن نعصي من أنعم، ويجعلنا نستحي أن نأخذ نعمته لتكون معينا لنا على معصيته. ﴿ اذكروا نعمة الله عليكم ﴾ وهي نعم كثيرة تمتعوا بها، ألم يفلق الحق لهم البحر:

اضرب بعصاك البحر

[الشعراء: 63] وبعد أن ضرب الماء بالعصا:

فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم

[الشعراء: 63] فقد صار الماء السائل جبالا. وضرب لهم الحجر بأمر الله فانفجرت منه المياه:

اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا

[البقرة: 60] إنها عجائب كثيرة تتجلى فيها قدرة الخالق الأعظم، وتبين القدرة مجالات تصرفها، فقد ضرب موسى البحر فصار كل فرق كالطود العظيم، وكأن الماء صار صخرا. وضرب موسى الصخر فتفجرت المياه. إنها عجائب القدرة. ألم يظللكم بالغمام؟ ألم ينزل عليكم في التيه المن والسلوى؟ وكل هذه النعم ألا تستحق الذكر لله والشكر لله والاستحياء من أن تعصوه أو أن ترهقوا الرسول الذي جاء لهدايتكم؟ إن كل هذه النعم تستحق الشكر، والشكر ذكر.

﴿ اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبيآء وجعلكم ملوكا ﴾ وكلما أدركتهم غفلة فإن الحق يرسل لهم نبيا كأسوة سلوكية. ولم يغضب عليهم ولم يقل: أرسلت لهم رسولا واثنين وثلاثة وأربعة. ولم يهتدوا، بل كلما عصوا الله واستعصت داءاتهم أرسل لهم رسولا، مثلهم في ذلك كمثل المريض الذي لا يضن عليه عائله بطبيب أو بطبيبين أو ثلاثة أو أربعة، بل كلما لاحظ عائله شيئا فإنه يرسل له طبيبا. وفي ذلك امتنان لأن الله أرسل إليهم كثيرا من الرسل. وكان عليهم أن يعلموا أن داءاتهم قد كثرت وصار مرضهم مستعصيا لأنه لو لم يكن المرض مستعصيا لما كانوا في حاجة إلى هذه الكثرة من الأطباء والأنبياء، ومع ذلك رحمهم الله وكلما زاد داؤهم أرسل لهم نبيا. ولم يكتف الحق بأن جعل فيهم أنبياء بل قال: ﴿ وجعلكم ملوكا ﴾ وليس معنى ذلك أنهم كلهم صاروا ملوكا ولكن كان منهم الملوك. " والملك " كلمة أخذت اصطلاحا سياسيا، فكل إنسان مالك ما في حوزته مالك لثوبه، أو مالك اللقمة التي يأكلها، أو مالك البيت الذي ينام فيه، لكن الملك هو الذي يملك ويملك من ملك. إذن فكل واحد عنده القدرة أن يملك شيئا ويملك من ملك يكون ملكا، فرجل عنده رعيان يقومون برعي القطعان من الماشية التي يملكها، وعنده أناس يخدمون في المنزل وأناس يعملون في المزرعة، وعنده أكثر من سائق، وعنده أناس كثيرون يأتمرون بأمره ولا يدخلون عليه إلا بإذنه ولا يتكلف في لقائهم أي حرج أو مشقة، هذا الرجل لا بد أن يكون ملكا. إذن فقد أعطاهم الحق نعمة وفيرة. والنبي صلى الله عليه وسلم يحدد الملكية الواسعة التي تحدد الفرد تحديدا إيمانيا فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٠٨