تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.49

وقد يقول قائل: إن الله سبحانه وتعالى قال من قبل:

وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه

[المائدة: 48] وتكون الإجابة: أن الحق بين إن القرآن قد نزل مهيمنا، وعلى الرسول أن يباشر مهمة التنفيذ لذلك يأتي هنا قوله: ﴿ وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ﴾ بلاغا للرسول وإيضاحا: أنا أنزلت إليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتب السابقة ومهيمنا فاحكم، فإذا جاءك قوم بشيء مخالف لما نزل من القرآن، فاحكم بينهم بالقرآن. والذي زاد في هذه الآية هو قوله الحق: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك ﴾ والحذر هو احتياط الإنسان واحترازه ممن يريد أن يوقع به ضررا في أمر ذي نفع، والذي يرغب الضر قد يزين لنفسه ولغيره الذر كأنه الخير، على الرغم من أن ما في باطنه هو كل الشر. إذن فالحذر هو ضرورة الانتباه لمن يريد بالإنسان شرا حتى لا يدخل عليه ضرا في صورة نفع، كأن يأتي خصم ويقول لك: سأضع لك كذا وافعل من أجلك كذا وكذا. يجب عليك هنا أن تقول له: لا. والحذر - إذن - يقتضي عقلا مركبا، ولذلك كانوا يعرفون الحذر من الغراب. فها هوذا الغراب يعلم ابنه في قصة شعبية فيقول الغراب لابنه: احذر الإنسان لأن الإنسان عندما ينحني ليلتقط شيئا من الأرض فهو يلتقط قطعة من الطوب ليرميك بها. وهنا يقول الغراب الصغير لوالده: وماذا أفعل لو كان هذا الإنسان يخبئ قطعة الطوب في جيبه؟ إنها قصة توحي بأن الغراب حذر بفطرته. ونرى مثل ذلك في مظاهر الأشياء كالمرابي الذي يزين للناس أن يضعوا أموالهم عنده ويعطيهم فائدة تبلغ عشرين بالمائة، هذه صورة شيء ينفع ولكنها ضارة بالفعل لأنها تزيد المال ظاهرا ولكن ينطبق عليها قول الله: ﴿ يمحق الله الربا ﴾. وهذا أمر ضار يزينه الخصم وكأنه أمر نافع. والحق يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون حذرا، فماذا يكون المطلوب من الأتباع؟. إنه الحذر نفسه لأن أفضل البشر وجهه الله إلى الحذر: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك ﴾ لأن الصورة التي دخلوا بها هي صورة تزين الخداع، فقد قالوا: نحن جئناك لتحكم لنا، فإن حكمت لصالحنا فلسوف نتبعك، وهذا أمر يبدو في صورة شيء نافع. وجاء القول الحق ليحسم هذه المسألة: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل الله إليك ﴾ وهنا يحذر الله رسوله من الفتنة عن بعض ما أنزله إليه سبحانه. ويتابع الحق: ﴿ فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون ﴾ وهم إن تولوا، فاعلم أن الله يحميك أن تنزلق إلى شبهة باطل. فهم قد اختاروا أن يوغلوا في الكفر، وفي الابتعاد عن منهج الله، وسيصيبهم ببعض عذابه مقابل ذنوبهم، وسبحانه لا يصيبهم ظلما، بل يصيبهم ببعض الذنوب التي ارتكبوها.

وهو أعلم بهم، لأنه الأعلم بالناس جميعا. ويختم الحق الآية بقول: ﴿ وإن كثيرا من الناس لفاسقون ﴾ أي خارجون عن طاعة كتبهم ورسلهم لأن طاعة الكتب السابقة على القرآن تنص على ضرورة الإيمان بالرسول النبي الأمين صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق:

الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون

[الأعراف: 157] إذن فطريق الفلاح كان مكتوبا في التوراة والإنجيل، وكان الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي موجودا في الكتب السابقة على القرآن، وكانت البشارة بمحمد رسولا من عند الله يأمر بكل الخير وينهى عن كل الشر ويحل للناس كافة الأشياء التي تحسن الفطرة الإنسانية استقبالها، ويحرم عليهم أن يزيفوا ويغيروا المنهج الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألا يستسلموا للعناد، فقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم ليزيل عنهم عبء تزييف المنهج. فمن اتبع نور رسول الله صلى الله عليه وسلم أحس بالنجاة والفوز. ومن لم يتبع هذا النور فهو الخارج عن طاعة كتاب السماء. ومحاولة إنكار رسالة رسول الله محكوم عليها بالفشل، فالعارفون بالتوراة والإنجيل يعرفون وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الكتب.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٧١