5.33
أول شيء في الحرب هو الاستيلاء فمعنى أن يحارب قوم قوما غيرهم أي يرغبون في الاستيلاء على خيرات أو ممتلكات الطرف الآخر. فكيف يحارب قوم الله وهو غيب؟. وأول حرب لله هي محاولة الاستيلاء على سلطانه، وهو تشريعه. فإن حاولت أيها الإنسان أن تشرع أنت على غير منهج الله فأنت تريد أن تستولي على حق الله في التشريع. وهذه أول حرب لله. والذين يحاربون الله أهم الذين يريدون أن يستولوا على ملك الله؟ لا لأن يد الله في ملكه أزلا، وستبقى أبدا وسبحانه لن يسلمه لأحد من عباده. فعلى ماذا - إذن - يريدون الاستيلاء؟. إنهم يريدون تزييف تشريعات الله، بينما سبحانه هو المشرع وحده. والتشريع - كما قلنا - هو قانون صيانة للصنعة. إذن لماذا لا نترك خالق الإنسان ليضع القواعد التي تصون البشر لذلك فأول افتيات يفعله الناس أنهم يشرعون لأنفسهم لأن قانون صيانة الإنسان يضعه خالق الإنسان، فإذا ما جاء شخص وأراد أن يضع للإنسان - الذي هو منه - قانون صيانة نقول له: إنك تستولي على حق الله. وكيف يحاربون الرسول؟. نعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم له وضعان فالله غيب لكن الرسول كان مشهدا من مشاهدنا في يوم من الأيام، وقد حورب بالسيف، وعندما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى أصبحت حربه كحرب الله، فنأخذ سلطته في التشريع، وهي السلطة الثانية ونقول لها: نحن سنشرع لأنفسنا ولا ضرورة لهذا الرسول، أو أن يقول نظام ما: سنأخذ من كلام الله فقط وذلك ما ينتشر في بعض البلدان. ونقول لكل واحد من هؤلاء: أتؤدي الصلاة؟. فيقول: نعم. نسأله: كم ركعة صليت المغرب؟. فيجيب ثلاث ركعات. نسأله: من أين أتيت بذلك؟. ومن أين عرفت أن صلاة المغرب ثلاث ركعات وهي لم تذكر في القرآن الكريم؟. هنا سيصمت. ونسأله: كيف تخرج الزكاة وبأي حساب تحسبها؟ فيقول: اخرج الزكاة بقدر اثنين ونصف بالمائة في النقدين والتجارة مثلا. نقول له: كيف - إذن - عرفت ذلك؟. وأيضا كيف عرفت الحج؟. إذن فللرسول صلى الله عليه وسلم مهمة، وحرب النبي تكون في ترك قول أو فعل أو تقرير له عليه الصلاة والسلام. ومثال ذلك هؤلاء الذين يقولون: إن أحاديث رسول الله كثيرة. ونقول لهم: كانت مدة رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين عاما وكل كلامه حديث، فكل كلمة خرجت من فمه حديث شريف، ولو كنا سنحسب الكلام فقط لكان مجلدات لا يمكن حصرها، وكل كلام سمعه وأقره من غيره حديث، وكل فعل فعله غيره أمامه وأقره ولم يعترض عليه حديث، فكم تكون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
وكيف يستكثر بعض الناس قدرا من الأحاديث التي وصلتنا بعد قدر هائل من التنقية البالغة؟ لأنهم قالوا: لأن نبعد عن رسول الله ما قاله خير من أن ندخل على رسول الله ما لم يفعله. إنهم يدعون أن هذا حفظ للإسلام ولكن فاتهم أن الله حافظ دينه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضع القواعد لغربلة الأحاديث فقال:
" من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ".
وها هوذا البخاري ينقل عن المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والذين قابلوه، وسيدنا مسلم يعتبر المعاصرة كافية لأنها مظنة المقابلة وتحري كل منهما الدقة الفائقة. وأي شخص كان به خدشة سلوكية لا يؤخذ بقوله، ولذلك عندما حاول البعض أن ينال من الأحاديث وقال أحدهم: " أنا يكفيني أو أقول لا إله إلا الله " ، تساءلت: كيف لا يذكر أن محمدا رسول الله؟ وكيف يمكن أن يؤدي الأذان للصلاة؟ وكيف يؤدي الصلاة؟ وكيف يمكن أن يفهم قول الحق:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه
[الحشر: 7] وهذا تفويض من الله في أن يكون لمحمد صلى الله عليه وسلم تشريع. وكذلك الاجتراءات على الأئمة، هم يجترئون أولا على النبي ثم يزحفون على الدين كله. وجاء فيهم قول الحق: ﴿ إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ﴾ أي يخرجون الصالح بذاته عن صلاحه ليكون فاسدا. الجزاء أن يقتلوا أو يصلبوا، وهذا التفعيل في قوله: ﴿ أن يقتلوا أو يصلبوا ﴾ جاء للشدة والتقوية حتى يقف منهم المجتمع الإيماني العام موقف القائم على هذا الأمر، والسلطة الشرعية قامت عن الجميع في هذا الأمر، كما يقال: إن النائب العام نائب عن الشعب في أن يرفع الدعوى، حتى لا ينتشر التقتيل بين الناس، دون أن يفهموا حكمة كل أمر. ﴿ أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ﴾. وهل " أو " هنا تخييرية، أو أن هنا - كما يقال - " لف ونشر "؟ واللف هو الطي. والنشر هو أن تبسط الشيء وتفرقه. فما اللف، وما النشر - إذن -؟ مثل ذلك ما يقوله الشاعر: