5.83
هذه دقة الأداء القرآني الذي جاء من قبل أن يجهد المفكرون أنفسهم في دراسة ظواهر وأحوال النفس البشرية في مجال علم النفس بالبحث والاستقراء والتجارب، وأثر ذلك في وظائف الأعضاء. لقد قال العلم: إن لكل آلة وظيفة، فالعين ترى، والأذن تسمع، واللسان يتذوق ويتكلم، والأنف يشم، واليد تلمس، وقال العلماء في البداية: إن هذه هي الحواس الخمس الظاهرة، وكلمة " الظاهرة " هذه إنما جاءت للاحتياط لأن هناك أمورا يشعر بها الإنسان ولكن لا يدرك كيفية ولا مصدر شعوره بها مثل الجوع أو العطش، أو في أثناء المقارنة بين شيئين أيهما أكثر ثقلا. لقد حاول العلماء إدراك كيفية تمييز الإنسان بين ثقل وثقل آخر، فقالوا: إن هناك حاسة اسمها حاسة العضل، فعندما يحمل الإنسان شيئا ما فإنه يجهد العضلات لدرجة تمكنه من التمييز بين درجات الجهد. وعرفوا أيضا أن هناك حاسة اسمها حاسة البين، وهي الحاسة التي يميز بها الإنسان درجة نعومة أو سمك أي نوع من القماش حتى ولو كان السمك يبلغ الواحد من العشرة من المللميتر. إذن فهناك حواس كثيرة يمكن للإنسان الإدراك بها، وهناك حواس تترك بعضا من الأثر في النفس البشرية كآثار الحب والميل أو البغض والنفرة، ومقرها الوجدان. كإدراك حلاوة طعم شيء أو كراهة شيء آخر، فإذا استطاب الإنسان شيئا أخذ منه مرة ثانية، وهذا العمل هو نزوع يتبع الوجدان الذي يتبع الإدراك. إذن فهناك إدراك يدرك. وهناك وجدان يجد، وهناك نزوع ينزع. مثال ذلك إدراك وردة جميلة المنظر واللون في بستان هذا الإدراك قد يصيب من القلب عشقا وحبا أي وجدانا، وأنت حر في أن تدرك ما شئت، وأن تجد ما شئت، لكن ليس لك أن تمد يدك لتقطف الوردة لأن الشرع يحرم ذلك. وحارس البستان أيضا يمنعك من ذلك. هذا على الرغم من أن أحدا لا يمنعك من أن تنظر إلى الوردة وتستمتع بجمالها. فالإدراك - إذن - مباح، والوجدان أمر مباح. أما النزوع فهذا هو الأمر الذي تتدخل فيه الشريعة، ولنا أن نكرر أن الإدراك مباح والوجدان مباح إلا في إدراك جمال الأنوثة، فالشرع يتدخل من البداية. فأنت قد تدرك جمال المرأة فتجد في نفسك حبا وميلا، فإذا نزعت فكيف يمكنك أن تضبط نفسك؟ فأنت بعد الإدراك والوجدان إما أن تنزع وإما أن تكبت. وإن نزعت انتهكت أعراض الناس، وإن كبت، أصابك القهر والألم لذلك يتدخل الشرع في هذه المسألة من بدايتها فيمنعك تحريما من أن تدرك، وذلك بأمر واضح وهو غض البصر لأن المسألة الجنسية من الصعب أن تفصلها عن بعضها، فالإدراك يمكن فصله عن الوجدان، والنزوع يمكن فصله عن الوجدان والإدراك في أمر الوردة.
أما في المسألة الجنسية فهي سعار.. إما أن يقابله الإنسان بأن يعف وإما أن يلغ. فإن عف الإنسان فهو يكبت ويتوتر، وإن ولغ الإنسان في أعراض الناس فهذا أمر يسبب هتك أعراض الناس. ولذلك يمنع الشرع من البداية مسألة الإدراك. وقد جاءت هذه الآية الكريمة قبل أن يأتي علماء النفس ليفسروا أمور الإدراك والوجدان والنزوع، فهاهوذا الحق يقول: ﴿ وإذا سمعوا ﴾ وهذا إدراك بحاسة الأذن. وما المسموع، يجيب القرآن: ﴿ مآ أنزل إلى الرسول ﴾. وهذا هو سبب الوجدان الذي يأتي في قوله: ﴿ ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ﴾. فكيف يكون نزوعهم بعد هذا الوجدان؟ إنهم: ﴿ يقولون ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ ، هذه هي العملية النزوعية. والقرآن الذي نزل من أربعة عشر قرنا، جاء بترتيب الإدراك والوجدان والنزوع قبل أن يأتي به العلم. فساعة سمعوا بالأذن، حدث شيء في الوجدان، والتغير الذي في الوجدان له علامات ظهرت في عيونهم التي فاضت بالدمع. وهنا نميز بين أمرين: الأول هو اغروراق العين بالدمع، أي أن تمتلئ العين بالدمع لكن لم تصل درجة التأثر إلى أن تسقط الدموع من العين، ويقال: " اغرورقت عين فلان " أي امتلأت عينه بالدموع ولكنها لم تسقط. والثاني وهو فيض الدموع من العين، والفيض لا يكون إلا نتيجة امتلاء الظرف بالمظروف، فكأن الدمع قد ملأها امتلاء، تماما مثلما نملأ إناء أو كوبا إلى النهاية فيزيد ويفيض. إذن كان سبب كل ذلك أنهم عرفوا أن القرآن من الحق. ونلحظ أن: " من " تتكرر في الأداء هنا. ﴿ وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ﴾. ف " من " تسبق من الدمع. و " من " مدغومة في " ما " فصاروا معا " مما و " من " تسبق الحق. ﴿ تفيض من الدمع ﴾ ف " من " هنا هي: " من " الابتدائية. و " مما عرفوا " هنا " من " السببية أي بسبب أنهم عرفوا أن هذا القرآن منزل من الحق سبحانه. و " من الحق " للتبعيض، أي عرفوا بعضا من الحق لأنهم لم يسمعوا كل القرآن. إذن جاءت " من " ثلاث مرات، وكل مرة لها مجال لتؤدي إلى المجموع البياني الذي يصف المظاهر الثلاثة للإدراك والوجدان والنزوع. وهذه المراتب هي مظاهر الشعور التي انتهى إليها العالم التجريبي حين أراد أن يتعرف إلى وظائف الأعضاء ومدى تغلغلها إدراكا ووجدانا ونزوعا. والنزوع هو الذي يهمنا هنا، لقد قالوا: ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ والإيمان أمر يعود إليهم. أما الكتابة مع الشاهدين فهي أمر يعود على الآخرين، فكأن المؤمن ينال حظا عاليا، إنه يؤمن لذاته، ثم من بعد ذلك يكون وعاء ولسانا يبلغ منهج الإيمان إلى غيره لأنه لا يكون شاهدا إلا إذا كانت شهادته امتدادا لشهادة الرسول وهذا مصداق لقوله سبحانه وتعالى: