تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.55

وحين نهانا الحق عن أن نتخذ اليهود والنصارى أولياء فعلينا أن نأخذ بالقياس أن النهي إنما يشمل كل خصوم ديننا، فلا نتخذ أيا من أعداء الدين وليا لنا لأنه سبحانه وتعالى لم يتركنا بغير ولاية، وهو ولينا وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا. إذا أردنا المقارنة بين ولاية الله، وولاية أعداء الله فلنعرف أن كل عدو لله له قدرة محدودة لأنه من البشر، أما ولاية الله لنا فلها مطلق القدرة. وأي عدو له قد يتظاهر لنا بالولاية نفاقا. أما ولاية الله لنا فلا نفاق فيها لأنه لا قوة أعلى منه. وإن كان الحق قد منعنا أن نتخذ من أعدائه أولياء فذلك ليحررنا من الولاية المحدودة ليعطينا الولاية التي لا تتغير وهي ولايته سبحانه وتعالى: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ وهكذا يكون التعويض في الولاية أكبر من كل تصور. وساعة نرى " إنما " فلنعرف أن هناك ما نسميه " القصر " أو " الحصر ". مثال ذلك نقول: " إنما الكريم زيد ": كأن القائل قد استقرأ آراء الناس ولم يجد كريما إلا زيدا، وكأنه يقول: " زيد كريم وغير زيد ليس بكريم " واختصر الجملتين في جملة واحده بقوله: " إنما الكريم زيد " وأثبت بهذا القول الكرم لزيد ونفاه عن غيره. أما إن قال القائل: " زيد كريم " فهذا القول لا يمنع أن يكون غيره من الكرماء. إن الحق سبحانه يحصر الولاية في قوله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ وهو قد نهانا من قبل عن ولاية أهل الكتاب، وعن ولاية كل من لا توجد عنده مودة أو محبة تعين المؤمن على مهمته الإيمانية. فلو كان عند أحد من أهل الكتاب أو الملاحدة محبة ومودة تعين المؤمن على أداء مهمته لما بقي هذا الإنسان على منهجه المحرف أو على إلحاده، بل إن ذلك سيجعله يذهب إلى الإيمان برسالة الإسلام. إننا نجد بقاء الكافر على كفره أو إلحاده أو عدم إيمانه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم دليلا على أنه لم يستطع الوصول إلى الهداية أو أنه - إن كان من أهل الكتاب - لم يستطع أن يكون مأمونا على الكتاب الذي نزل إلى نبيه وفيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فكيف - إذن - يعين إنسان مثل هذا إنسانا مسلما؟. إنه لا يستطيع أن يعين ولا أن يوالي ولا أن يكون على هداية لأنه لم يستطع أن يهدي نفسه. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:

" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ".

لأن الذي لا يستطيع أن يهدي نفسه لن يستطيع هداية غيره. وحين نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال أهل الكتاب كان يعلم أنهم في ريب من أنفسهم، وفي ضلال وخلط، فهم إما يخلطون الحق بالباطل، وإما في غيظ من الذين آمنوا لذلك نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسألهم، وهذا هو الاحتياط للدين، فقد يسألهم المؤمن سؤالا، فيجيبون بصدق، فيكذبهم المسلم، وقد يجيبون بكذب فيصدقهم المسلم لذلك لا يصح ولا يستقيم أن يسألهم المسلم أبدا عن شيء لأنه عرضة لأمر من اثنين: إما أن يصدق بباطل، وإما أن يكذب بحق. وأهل الكتاب أنفسهم قد تضاربوا، ألم يقل الحق على ألسنتهم:

وقالت اليهود ليست النصارى على شيء

[البقرة: 113]. وكذلك قالت النصارى:

ليست اليهود على شيء

[البقرة: 113]. إذن فأي الموقفين نصدق؟ أنصدق رأي اليهود في النصارى؟ أم نصدق رأي النصارى في اليهود؟ ولا نستطيع أن نكذب رأي اليهود في النصارى، ولا نستطيع أن نكذب رأي النصارى في اليهود، إذن فحين يقول الحق سبحانه: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ فعلينا أن نفهم أنه سبحانه وتعالى ما دام قد نهاكم عن أن تتخذوا أولياء من دون الله فلن يترككم أيها المؤمنون دون ولي. بل منعكم فقط من ولاية من لا يمكن صادقا في معونتكم ولا في نصرتكم. لقد أراد سبحانه أن يكون هو بطلاقة قدرته وليكم، ورسول الله أيضا وليكم، وكذلك الذين آمنوا. ونجد من يقول: الحق هنا قد عدد الولاية فيه سبحانه وتعالى وفي الرسول صلى الله عليه وسلم وفي المؤمنين، لماذا لم يقل - إذن -: أولياؤكم هم الله والرسول والذين آمنوا؟ ونقول: هل كانت للرسول ولاية منفصلة عن ولاية الله والمؤمنين؟ وهل كانت للمؤمنين ولاية منفصلة عن ولاية الله والرسول؟ لا لأن الولاية كلها منصبة لله، فلم يعزل الحق الرسول عن ربه، ولا عزل المؤمنين عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقسم الولاية إلى أجزاء، بل كلها ولاية واحدة وأمر واحد، ونلحظ أن الخطاب في " كاف الخطاب " هو للجمع: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ ، و " كاف " الخطاب هنا تضم المؤمنين ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه وتعالى ولي الرسول وولي المؤمنين، والرسول ولي المؤمنين، وجاء في المؤمنين قول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٩١