تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.64

ونعرف أن اليد جارحة حرة الحركة تنفعل يمينا وتنفعل شمالا وتنفعل إلى أسفل وإلى أعلى، ولها من الأصابع ما جعل الله لكل أصبع مع زميله مهمة. وليلاحظ كل منا أصابعه في أثناء أي عمل، سيجدها تتباعد وتتقارب بحركة إرادية منسجمة لتؤدي المهمة. وخلقة الأصابع بالمفاصل والعقل وحجم كل عقلة يختلف عن الأخرى لتؤدي المهمة بانسجام. وساعة تعوق هذه الجارحة عن أداء مهمتها فأنت بذلك تكون قد غللتها، أي ربطتها عن التصرف المطلوب منها. ومعنى قوله: " يد الله مغلولة " أي أن يد الله - والعياذ بالله - مشلولة الحركة. وقد قالوا ذلك قبل ظهور سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل زحف الإسلام عليهم لينقض باطلهم. وحدث أن تفرغوا لصناعة آلات الحرب وبناء الحصون والزراعة، وانشغلوا عن الزراعة فخابت محاصيلهم وجاء وقت الحصاد فلم يجدوا، فقال " فنحاص " وهو واحد من اليهود: لماذا قبض الله يده عنا؟ إن يد الله مغلولة. ونلحظ أن الذي قال ذلك هو شخص واحد، ولكن الحق يقول هنا: " وقالت اليهود يد الله مغلولة ". ومعنى ذلك أن " فنحاص " عندما قال ذلك سمعوه وسرهم ما قال، ووافقوه عليها. أو أنهم حينما شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الهجرة وقد آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانت تمر على المسلمين الليالي دون طعام فيراهم اليهود فيتندرون على تلك الحال ويقولون: إن يد الله مغلولة عن محمد وآله. أو أنهم قالوا: إن يد الله مغلولة في الآخرة عن عقابنا لأنه سيعقابنا أياما معدودة. والذي يبيح لنفسه أن يجعل الله منفعلا لأحداث خلقه إنما يكفر بالله لأنه ينزل الله من مكانته. فإذا كانت يد الله مغلولة، فهذا الرباط والغل والمنع يكون من خلق الله. وكيف يقدر خلق من خلق الله أن يربط يد الله؟. لقد اجترأوا على مقام الألوهية وهذا من سوء الأدب، تماما كما قالوا:

إن الله فقير ونحن أغنيآء

[آل عمران: 181]. وحينما قالوا: " يد الله مغلولة " ورد الحق عليهم: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ وقال قبلها: ﴿ غلت أيديهم ﴾ فهل يدعو الحق عليهم؟ طبعا لا لأنه هو المصدر الذي يتجه إليه الخلق بالدعاء وهو القادر على كل الخلق. ولكن الحق حين روى ما قالوه إنما ينبه الذهن الإيماني الذي يستقبل كلامه أنه ساعة يجد وصفا لا يناسب الله فعليه أن يدفع هذا الكلام حتى قبل أن يرى الرد عليهم. ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ﴾ وهذا يعلمنا أننا إذا سمعنا وصفا لا يليق فلا بد أن ندحضه لأن الحق لا يدعو على عبيده لأن الدعاء هو أن يرفع عاجز طلبه إلى قادر لينفذ المطلوب له.

إذن فإن قالها الحق فهي إما أن تكون خبرا، وإما تعليما لنا، فإذا كانت خبرا نلحظ أن الله كتب عليهم البخل ساعة قالوا هذا ومنذ لحظة هذا القول، وإن كان القصد هو تعليمنا، فنحن نتعلم الأدب الإيماني، ونرد أي وصف لا يليق بجلال الله. وهذه المسألة لها نظير، فعندما علم الحق سبحانه وتعالى تشوق رسوله والمؤمنين أن يذهبوا إلى المسجد الحرام قال لرسوله:

لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله

[الفتح: 27]. وهل هذا إخبار من الله، أو هو تعليم لنا؟. إنه تعليم لنا أن نفعل ذلك عندما نشتاق إلى فعل. وكذلك هنا: ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ لذلك يعلمنا سبحانه أن نقول: ﴿ غلت أيديهم ﴾ مثلما علمنا أن نقول: ﴿ إن شآء الله ﴾ حتى ننسب كل قدر لله. وقد حاول الفلاسفة أن ينسونا تقدير المشيئة، فقالوا: إن الله خلق النواميس والأكوان وجعل لها قوانين تعمل في الكون. وهل زاول الحق سلطانه ساعة خلق النواميس ثم ترك الأمور لذاتها؟ لا لذلك جاء سبحانه بمعجزات تخرق النواميس ليدلنا على أن النواميس لم تأخذ هي الكلمة للتصرف بل إن يد الله ما زالت في كونه، فالنار - على سبيل المثال - التي تحرق يأتيها الأمر:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤٠٥