تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.32

نجد الحق قال: إنه قد كتب على بني إسرائيل ما جاء بهذه الآية من قانون واضح لأن معنى كلمة " من أجل " هو " بسبب " و " أجل " من أجل شرا عليهم يأجله، أي جنى جناية أي من جريرة ذلك. أو من هذه الجناية شرعنا هذا التشريع: ﴿ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ﴾. إذن فساعة تسمع " من أجل " فاعرف أنها تعني " بسبب ذلك " أو " بوقوع ذلك " أو " بجريرة ذلك " أو " بهذه الجناية كان ذلك ". ولكن هل هذا الكتب خاص ببني إسرائيل؟. بعض العلماء قال: إن ابني آدم ليس ابني آدم مباشرة ولكنهما من ذرية آدم وهما من بني إسرائيل. ونرد: من هو إسرائيل أولا الذي نسب إليه أبناء إسرائيل؟. إنه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وإبراهيم يصل إلى نوح بأحد عشر أبا ويصل نوح إلى شيث، وبعد ذلك إلى آدم فهل كانت كل هذه السلسلة لا تعرف كيف تدفن الميت إلى أن جاء بنو إسرائيل؟ طبعا لا ومادام الحق أوضح أنه سبحانه قد بعث غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، فهذا دليل على أن هابيل هو أول إنسان تم دفنه، ومن غير المقبول - إذن - أن نقول: إن الإنسان لم يعرف كيف يواري جثمان الميت إلى أن وصلت البشرية إلى زمن بني إسرائيل، وأنهم هم الذين علموا البشرية ذلك! ولماذا جاء الحق هنا ببني إسرائيل؟. سبب ذلك أن بني إسرائيل اجترأوا لا على قتل النفس فقط بل اجترأوا على قتل النفس الهادية، وهي النفس التي تحمل رسالة النبوة، ولذلك كان التخصيص، فقد قتلوا أنبيائهم الذين حملوا لهم المنهج التطبيقي لأن الأنبياء يأتون كنماذج تطبيقية للمناهج حتى يلفتوا الناس إلى حقيقة تطبيق منهج الله. الأنبياء - إذن - لا يأتون بشرع جديد، ولكنهم يسيرون على شرع من قبلهم. فلماذا قتل بنو إسرائيل بعضا من الأنبياء؟ لقد تولدت لدى بني إسرائيل حفيظة ضد هؤلاء الأنبياء. ونعلم أن الإنسان الخير حين يصنع الخير ويراه الشرير الذي لا يقدر على صناعة الخير فتتولد في نفس الشرير حفيظة وحقد وغضب على فاعل الخير. ففاعل الخير كلما فعل خيرا إنما يلدغ الشرير، ولذلك يحاول الشرير أن يزيح فاعل الخير من أمامه. وكان الأنبياء هم القدوة السلوكية، وقد قال الحق عن بني إسرائيل:

فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل

[البقرة: 91] وجاء الحق هنا ب " من قبل " هذه لحكمة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في عداء مع اليهود، وقد تهب عليهم الخواطر الشريرة فيحاولون قتل النبي.

وقد حاولوا ذلك. مثلما أرادوا أن يلقوا عليه حجرا، ودسوا له السم، ولذلك قال الله: " من قبل " أي إن قدرتكم على قتل الأنبياء كانت في الماضي أما مع محمد المصطفى فلن تمكنوا منه. ويقول سبحانه: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ﴾. وهذا توضيح لإرادة الحق في تأسيس الوحدة الإيمانية ليجعل من المجتمع الإيماني رابطة يوضحها قول رسول الله فيما رواه أبو موسى الأشعري عنه:

" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا "

وإياك أن تنظر إلى مجترئ على غيرك، بالباطل، وتقف مكتوف اليدين لأن الوحدة الإيمانية تجعل المؤمنين جميعا كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. فإن قتل إنسان إنسانا آخر ووقف المجتمع الإيماني موقف العاجز. فهذا إفساد في الأرض، ولذلك يجب أن يقابل المجتمع مثل هذا الفعل لا على أساس أنه قتل نفسا واحدة، بل كأنه قتل للناس جميعا ما لم يكن قتل النفس لقصاص أو إفساد في الأرض. ويكمل الحق سبحانه الشق الثاني من تلك القضية الإيمانية: ﴿ ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ﴾ ، وهذه هي الوحدة الإيمانية، فمن يعتدي على نفس واحدة بريئة، كمن يعتدي على كل الناس، والذي يسعف إنسانا في مهلكه كأنه أنقذ الناس جميعا. وفي التوقيع التكليفي يكون التطبيق العملي لتلك القاعدة، فالذي يقتل بريئا عليه لعنة الله وغضبه ويعذبه الله، وكأنه قتل الناس أجمعين، وإن نظرنا إليها من ناحية الجزاء فالجزاء واحد. ﴿ ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ﴾. وسبحانه وتعالى يريد ألا يستقبل المجتمع الإيماني مجترئا بباطل على حق إلا أن يقف كل المجتمع أمامه، فلا يقف المعتدى عليه بمفرده لأن الذي يجرئ أصحاب الشر هو أن يقول بعض الناس كلمة " وأنا مالي ". و " الأنا مالية " هي التي تجرئ أصحاب الشرور، ولذلك اقرأوا قصة الثيران الثلاثة: الثور الأسود والثور الأحمر والثور الأبيض، فقد احتال أسد على الثورين الأحمر والأسود، فسمحا له بأكل الثور الأبيض. واحتال على الثور الأسود فسمح الثور الأسود للأسد بأكل الثور الأحمر وجاء الدور على الثور الأسود فقال للأسد: - أكلت يوم أكل الثور الأبيض. كأن الثور التفت إلى أن " أنا ماليته " جعلته ينال مصرعه. لكن لو كان الثيران الثلاثة اجتمعوا على الأسد لقتلوه. وهاهوذا الحديث النبوي الشريف الذي يمثل القائم على حدود الله والواقع فيها: عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٢٧