تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.10

وحين نسمع قوله: ﴿ أصحاب الجحيم ﴾ تتزلزل النفوس رهبة من تلك الصحبة التي نبرأ منها، فالصحبة تدل على التلازم وتعني الارتباط معا، وألا يترك أحدهما الآخر كأن الجحيم لا تتركهم، وهم لا يتركون الجحيم، بل تكون الجحيم نفسها في اشتياق لهم. وللجحيم يوم القيامة عملان العمل الأول: الصحبة التي لا يقدر الكافر على الفكاك منها، والثاني: لا تترك الجحيم فرصة للكافر ليفك منها. ويقول الحق عن النار:

يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد

[ق: 30] ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ يا أيهآ الذين آمنوا... ﴾.

5.11

والذكر - كما عرفنا - يعني استحضار الشيء إلى الذهن لأن الغفلة تطرأ على الإنسان وعليه ألا يستمر فيها. وبعض أهل الإشراق والشطح يتلاعبون بالمواجيد النفسية فيقول واحد منهم: يعلم الله أني لست أذكره. وحين يسمع الإنسان مثل هذا القول قد يوجه لصاحبه التأنيب والنقد العنيف، لكن القائل يحلل الأمر التحليل العرفاني فيكمل بيت الشعر بالشطر الثاني:

" إذ كيف أذكره إذ لست أنساه ".

وهنا ترتاح النفس، ويقول الحق هنا أيضا: ﴿ نعمت الله ﴾ ولم يقل: " نعم " لأن كل نعمة على انفراد تستحق أن نشكر الله عليها فكل نعمة مفردة في عظم وضخامة تستحق الشكر عليها، أو أن نعمة الله هي كل فيضه على خلقه، فأفضل النعمة أنه ربنا، وسبحانه يقول: ﴿ اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ﴾. ومادام قد جاء ب " إذ " فالمراد نعمة بخصوصها لأن " إذ " تعني " حين " فالحق يوضح: اذكروا نعمة الله عليكم في ذلك الوقت الذي حدثت فيه هذه المسألة لأنه جاء بزمن ويطلب أن نذكر نعمته في هذا الموقف، إنه يذكرنا بالنعمة التي حدثت عندما هم قوم ببسط أيديهم إليكم. وهناك " قبض " لليد و " بسط " لليد. والبسط المنظور أن ترى النعمة. وفي الآية تكون النعمة هي كف أيدي الكافرين، ذلك أن أيديهم كانت ممدودة بالسوء والشر. ولو وقفنا عند بسط اليد لظننا أنه سبحانه قد جعل من أسباب خلقه معبرا للنعم علينا أي أن نعم الله تعبر وتصل إلينا عن طريقهم وبأيديهم، لكن هذا ليس مرادا من النص الكريم لأننا حين نتابع قراءة الآية، نعرف أن كف أيديهم هو النعمة، فهؤلاء القوم أرادوا أن يبسطوا أيديهم بالإيذاء. ويقولون عن بذاءة اللسان: " بسط لسانه " ويقولون أيضا: " بسط يده بالإيذاء ". ونعرف أن الحق جاء ب " إليكم " أو " عنكم " وكلاهما فيه ضمير يعود على المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم، فالمؤمنون ملتحمون بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هم قوم أن يبسطوا أيديهم إلى رسول الله، ففي ذلك إساءة للمؤمنين برسول الله لأن كل شيء يصيب رسول الله، يصيب المؤمنين أيضا. وكانت هناك واقعة حال في زمن مقطوع وسابق، فهل يعني الحق سبحانه وتعالى بحادثة بني النضير، وكان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني النضير معاهدة ألا يعينوا عليه خصوم الإسلام وإذا حدث قتل من جهة المسلمين فعلى بني النضير المعاونة في الدية، وكان النبي قد أرسل مسلما في سرية فقتل اثنين من المعاهدين خطأ، فطالبوا بدية للقتيلين.

ولم يكن عند النبي مال فذهب إلى بني النضير كي يساعدوه بدية القتيلين، فقالوا له: " مرحبا " نطعمك ونسقيك وبعد ذلك نعطيك ما تريد، ثم سلطوا واحدا ليرمي الرسول بحجر. فصعد الرجل ليلقي على الرسول صخرة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد إلى جانب جدار من بيوتهم فأخبر الحق رسوله فقام خارجا، ولم ينتظر شيئا. ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ﴾ لقد أخبر الحق نبيه بما يبيتون قبل أن يتمكنوا من الفعل. و " الهم " هو حديث النفس، فإذا ما خرج إلى أول خطا النزوع فذلك هو القصد، و " الهم " هو الشيء الذي يغلب على فكر الإنسان في نفسه ويكون مصحوبا بغم. وفي اللغة الدارجة نسمع من يقول: " أنا في هم وغم " لأن " الهم " هو الأمر الذي لا يبارح النفس حديثا ويسبب الغم. فالهم هو العدو الذي لا يقدر أن يقهره أحد لأنه يتسرب إلى القلب، أما أي عدو آخر فالإنسان قد يدفعه، ونعرف عن سيدنا الإمام علي - رضوان الله عليه وكرم الله وجهه - أنه كان مشهورا بأنه المفتي فهو يستفتى في الشيء فيجيب عليه، لدرجة أن سيدنا عمر نفسه يقول: " قضية ولا أبا حسن لها " أي أنها تكون قضية معضلة إذ لم يوجد أبو حسن لها فيحلها، وكان سيدنا عمر يستعيذ من أن يوجد في مكان لا يوجد به سيدنا علي. وعندما عرف الناس عنه ذلك تساءلوا: من أين يأتي بهذا الكلام؟. فجاءوا بلغز وانتظروا كيف يخرج منه. فقالوا: إن الكون متسع وفيه أشياء أقوى من كل الأشياء، وقوى تتسلط على قوى، وحاولوا الاتفاق على شيء أقوى من كل الأشياء فقال واحد: الجبل هو أقوى الأشياء. وقال الآخر: لكنا نقطع منه الأحجار بالحديد. وبينما هم يسلسلون هذه السلسلة جاء سيدنا علي فقالوا له: يا أبا الحسن ما أشد جنود الله؟. فأجاب سيدنا علي - كرم الله وجهه - كأنه يقرأ من كتاب بدليل أنه عرف جنود الله وعرف الأقوى وحصر عددهم، وقال سيدنا علي: أشد جنود الله عشرة. وكأنه انشغل بهذه المسألة من قبل، ودرسها. قال: الجبال الرواسي والحديد يقطع الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء، والريح يقطع السحاب، وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب أو الشيء ويمضي لحاجته والسكر يغلب ابن آدم، والنوم يغلب السكر، والهم يغلب النوم، فأشد جنود الله الهم. ولا يمكننا أن نمر على كلمة " الهم " في القرآن إلا أن نستعرض مواقعها في كتاب الله.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٨٣