5.97
" جعل " تعني بين ووضح، فقال: إن الكعبة محرمة ولها كرامة تستحق من المؤمن أن يأمن فيها. أو " جعل " تعني إيجاد صفات للأشياء بعد أن تكون ذات المادة موجودة، مثل قوله الحق سبحانه:
وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون
[النحل: 7]. أي أنه سبحانه خصص جزءا من خلايا الإنسان ليكون عينا، وجزءا آخر ليكون أذنا، وجزءا ثالثا ليكون لسانا. والحق هنا يقول: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ﴾. ونعرف أن كل الأسماء للمعنويات مأخوذة من المحسات. والكعب هو الشيء الناتىء الخارج عن حد المتساوي. ومثال ذلك الكعب في القدم يكون مرتفعا. وكذلك الفتاة نطلق عليها: " طفلة " وهي دون البلوغ، وعند البلوغ وظهور الثديين نقول إنها " كعاب وكاعب " ، أي أن ثدييها قد صارا مرتفعين، والكعبة نتوء، والنتوء ارتفاع، وهذا الارتفاع هو علامة البيت، فالبيت هو مساحة من الأرض، أما الارتفاع فهو يحدد الحجم. ومثال ذلك عندما نريد حساب مساحة الأرض نقيس الطول والعرض، ونضرب الطول في العرض حتى نحسب المساحة. أما إذا كان هناك ارتفاع فهذا يعني الانتقال من المساحة إلى الحجم. والحق سبحانه يقول:
وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل
[البقرة: 127]. أي أن سيدنا إبراهيم بعمله إنما أراد أن يصنع للبيت ارتفاعا وحجما، وهذا البناء يدل على صناعة حجم لمساحة من الأرض. إذن فالكعبة هي البيت بعد أن صار له ارتفاع. وكلمة " بيت " تعني المكان الذي أعد للبيتوتة، فالإنسان يضرب في الأرض طيلة نهاره وعندما يحب أن يستريح يذهب إلى البيت. فالله جعل الكعبة بيتا للناس حتى يستريحوا فيه من عناء حياتهم ومشقة كدحهم لأنه بيت ربهم باختيار ربهم، لا باختيارهم، فكل مسجد هو بيت لله ولكن باختيار خلق الله، أما الكعبة فهي بيت الله باختيار الله، وهي قبلة لبيوت الله التي قامت باختيار خلق الله. ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ﴾ وكلمة ﴿ البيت الحرام ﴾ تدل على أن له حرمات كثيرة. وجعل الله الكعبة بيتا حراما لكل المسلمين قياما. والقيام هو الوقوف، والوقوف هو القيام على الأمر. والقائم على أمر ما يحفظ له قوام حياته ووجوده. وهكذا نفهم أنه سبحانه أراد أن تكون الكعبة هي البيت الحرام ليحفظ على الناس قوام حياتهم، بالطعام والشراب واستبقاء النسل ودفع الأذى، وفوق ذلك له سيطرة وسيادة وجاه وتمكين، ولذلك يعطي الإيمان الحياة الراقية، فالحياة مسألة يشترك فيها المؤمن والكافر، وتبدأ بوجود الروح في المادة فتنتقل المادة إلى الحالة الحس والحركة، والمؤمن هو من يرتقي بحياته فيعطي لها بالإيمان منافع، ويسلب عنها المضار، فيأخذ السيادة، وبذلك تتصل حياته الدنيا بحياته في الآخرة، فلا تنتهي منه الحياة أبدا.
لقد جعل الحق سبحانه وتعالى الكعبة البيت الحرام قياما للناس.. أي قواما لحياتهم سواء الحياة الدنيا او حياة الآخرة، الحياة المادية التي تنتهي بالموت، والحياة التي تبدأ بالآخرة. والحق سبحانه يقول عن ذلك:
يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم
[الأنفال: 24]. هكذا يكون الإيمان بالله وصلا لحياتين: الحياة المادية في الدنيا، وحياة الآخرة. وأراد الحق بذلك دفع الأذى وجلب النفع والجاه والسيطرة للمؤمنين، ونعرف أن البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس:
إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين
[آل عمران: 96]. كذلك نعرف أن إبراهيم عليه السلام هو الذي أقام القواعد من البيت، أما البيت نفسه فقد أقيم من قبل ذلك. وما دام الحق سبحانه قد قال:
وضع للناس
[آل عمران: 96]. فمعنى ذلك أن الله لم يحرم الناس من قبل إبراهيم أن يكون لهم بيت. فالناس معناها البشر من آدم إلى أن تقوم الساعة، وأقام إبراهيم خليل الرحمن البعد الثالث وهو رفع القواعد للبيت الحرام. والحق سبحانه وتعالى يقول: