تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.31

ونعرف السوءة وهي ما تتكرهه النفس. وهي من " ساء، يسوء، سوءا " أي يتكره، وسمينا " العورة " سوءة لأنها تتكره. ﴿ فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ﴾. هل بعثه الله حتى يري قابيل كيف يواري سوءة هابيل، أم أن الغراب هو الذي سيقول له؟ كلا الأمرين متساو لأن ربنا هو الذي بعث، فإن كنت ستنظر للوسيلة القريبة فيكون الغراب، وإن كنت ستنظر لوسيلة الباعث يكون هو الله فالمسألة كلها واصلة لله، وأنت حين تنسب الأسباب تجدها كلها من الله. ﴿ قال ياويلتا ﴾. ساعة تسمع كلمة " يا ويلتى " يكون لها معنيان في الاستعمال: المعنى الأول للويل: هو الهلاك، وإن أردنا المبالغة في الهلاك نأتي بتاء التأنيث ونقول: ويلة، ولذلك عندما نحب أن نبالغ في وصف عالم نقول: فلان عالم وفلان علام وفلان علامة، وتأتي التاء هنا لتؤكد المعنى، إذن فالويل: الهلاك، و " ويلة " تعني أيضا الهلاك، وماذا تعني " يا ويلتى "؟ إننا نعرف أن النداء يكون ب " يا " فكيف ننادي الويل والهلاك؟ وهل ينادي غير العاقل؟ نعم، ينادي لأنه مادام " الويل " و " الويلة ": الهلاك. كأنك تقول: أنا لم أعد أطيق ما أنا فيه من الهم والغم، ولا يخلصني فيه إلا الهلاك، يا هلاكي تعال فهذا وقتك! إذن فقوله: " يا ويلتى " يعني يا هلاك تعال، والمتنبي فطن لهذه المسألة وقال:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا

وحسب المنايا أن يكن أمانيا

فأي داء هذا الذي تقول فيه: يارب أرحني بالموت!! إذن فالذي يراه من ينادي الهلاك هو أكثر من الموت. المعنى الأول: أنك تنادي الهلاك أن يحضر ولذلك يقول الحق:

ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها

[الكهف: 49] إنهم يتمنون الموت وكذلك قال قابيل " يا ويلتى ". وهل تأتيه الويلة عندما يطلبها؟ لا، فقد انتهت المسألة وصار قاتلا لأخيه. والمعنى الثاني: أن تأتي " يا ويلتنا " بمعنى التعجب من أمر لا تعطيه الأسباب، وهناك فرق بين عطاء الأسباب وبين عطاء المسبب. فلو ظل عطاء الأسباب هو المتحكم في نواميس الكون، لكان معنى هذا أن الحق سبحانه قد زاول سلطانه في ملكه مرة واحدة، وكأنه خلق الأسباب والنواميس وتركها تتحكم ونقول: لا. فبطلاقة القدرة خلقت الأسباب، وهي تأتي لتثبيت ذاتية القدرة وقيوميتها، فيقول الحق حينما يشاء: توقفي يا أسباب. إذن فهناك أسباب وهناك مسبب. والأمر العجيب لا تعطيه الأسباب. وحين لا يعطى السبب يتعجب الإنسان، ولذلك يرد الأمر إلى الأصل الذي لا يتعجب منه.

وها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما جاءه الضيوف وقدم لهم الطعام ورأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ونفر منهم ولم يأنس إليهم وأوجس منهم خيفة. ويقول الحق عن هذا الموقف:

فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم * فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم

[الذاريات: 28-29] وقال الحق أيضا في هذا الموقف:

وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب

[هود: 71] وهنا قالت امرأة سيدنا إبراهيم:

يويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب

[هود: 72] أي أن الأسباب لا تعطى، وردت إلى المسبب. أتعجبين من أمر الله؟ كان لك أن تتعجبي من الأسباب لأنها تعطلت، أما حين تصل الأسباب إلى الله، فلا عجب. وقال سيدنا زكريا عليه السلام مثل قولها فحين رأى السيدة مريم وهو الذي كفلها، وكان يجيء لها بمطلوبات مقومات حياتها، وفوجئ بأن عندها رزقا من طعام وفاكهة. فسألها:

يمريم أنى لك هذا

[آل عمران: 37] كيف يقول لها ذلك؟ لا بد أنه رأى شيئا عندها لم يأت هو به، وهنا ردت عجبه لتنبهه بالحقيقة الخالدة:

هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٢٥