تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[المائدة: 25-26] ولنا أن نقرأ هذا القول الحكيم كما يلي: ﴿ قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين * قال فإنها محرمة عليهم ﴾. وهذا الوقف يعطينا الفهم بأن الأرض المقدسة صارت محرمة عليهم إلى الأبد. وبعد ذلك يأتي أمر الله بعقابهم في التيه أربعين سنة: ﴿ أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين ﴾. أما لو قرأنا هذا القول الحكيم كما يلي: ﴿ قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين * قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين ﴾ فهذه القراءة تتيح لنا الفهم بأن مدة العقوبة لهؤلاء القوم الفاسقين أربعون سنة في التيه. ودخلوا بعدها مدينة أريحا. ويأمر الحق موسى ألا يحزن على هؤلاء القوم الفاسقين، ذلك أن موسى عليه السلام عندما دعا الله بقوله: ﴿ فافرق بيننا ﴾ انتابه قدر من الضيق من هذا الدعاء وقال لنفسه: لماذا لم أدع لهم بالهداية بدلا من أن أدعو بالفراق؟، ولذلك قال له الحق: ﴿ فلا تأس على القوم الفاسقين ﴾ أي فلا تحزن عليهم لأنهم أولى بالعذاب لفسقهم ومخالفاتهم. ومن بعد ذلك يقول الحق: ﴿ واتل عليهم نبأ... ﴾.

5.27

وساعة يتلو الإنسان - أي يقرأ - فهو يتكلم بترتيب ما رآه من صور ذلك أن الإنسان عندما يرى أمرا أو حادثة فهو يرى المجموع مرة واحدة، أو يرى كل صورة مكونة للحدث منفصلة عن غيرها. وعندما يتكلم الإنسان فهو يرتب الكلمات، كلمة من بعد كلمة، وحرفا من بعد حرف إذن فالمتابعة والتلاوة أمر خاص بالكلام. ﴿ واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق ﴾ والنبأ هو الخبر المهم، فنحن لا نطلق النبأ على مطلق الخبر. ولكن النبأ هو الخبر اللافت للنظر. مثال ذلك قوله الحق:

عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم

[النبأ: 1-2] إذن فكلمة " نبأ " هي الخبر المهم الشديد الذي له وقع وأثر عظيم. ﴿ واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق ﴾ وساعة نسمع قوله الحق: " بالحق " فلنعلم أن ذلك أمر نزل من الحق فلا تغيير فيه ولا تبديل. ولذلك قال سبحانه:

وبالحق أنزلناه وبالحق نزل

[الإسراء: 105] أي أن ما أنزل من عند الله لم يلتبس بغيره من الكلام، وبالحق الجامع لكل أوامر الخير والنواهي عن الشر نزل. وعندما يقول سبحانه: ﴿ واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق ﴾ فسبحانه يحكي قصة قرآنية تحكي واقعة كونية. ومادام الله هو الذي يقص فهو سيأتي بها على النموذج الكامل من الصدق والفائدة. ولذلك يسميه سبحانه " القصص الحق ":

إن هذا لهو القصص الحق

[آل عمران: 62] ويسميه سبحانه:

نحن نقص عليك أحسن القصص

[يوسف: 3] وسبحانه يقول: ﴿ واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ﴾ ونعرف أن آدم هو أول الخلق البشري، وأن ابني آدم هما هابيل وقابيل، كما قال المفسرون. وقد قرب كل منهما قربانا. والقربان هو ما يتقرب به العبد إلى الله، و " قربان " على وزن " فعلان ". فيقال: " كفر كفرانا " و " غفر غفرانا ". وهي صيغة مبالغة في الحدث. وهل قدم الاثنان قربانا واحدا أم أن كلا منهما قدم قربانا خاصا به؟ مادام الحق قد قبل من واحد منهما ولم يتقبل من الآخر فمعنى ذلك أن كلا منهما قدم قربانا منفصلا عن الآخر لأن الله قبل قربان واحد منهما ولم يتقبل قربان الآخر. و " القربان " مصدر. والمصادر في التثنية وفي الجمع وفي التذكير والتأنيث لا يتغير نطقها أو كتابتها. فنحن نصف الرجل بقولنا: " رجل عدل " وكذلك " امرأة عدل " و " رجلان عدل " و " امرأتان عدل " و " رجال عدل " و " نساء عدل ". إذن فالمصدر يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث.

ونعلم أن آدم هو أول الخلق الآدمي، وجاءت له حواء وذلك من أجل اكتمال زوجية التكاثر لأن التكاثر لا يأتي إلا من ذكر وأنثى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣١٩