تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن فقد أراد الحق بحرمة الأشهر الحرم والبيت الحرام أن يرتاح العرب من القتال بدلا من أن تهلك الحرب الحرث والنسل، وأراد الحق ذلك قياما للناس، واستبقاء للنوع. وكذلك حرم الله: ﴿ والهدي والقلائد ﴾ والهدي هو الذي يهدى للحرم فيأكله الناس هناك، ذلك لأن الحرم موجود بواد غير ذي زرع. والهدي هو البهيمة التي يتطوع بها أي إنسان ويضع حول عنقها قلادة من لحاء وقشر الشجر أو غير ذلك، وعندما يرى الناس القلادة يعرفون أن تلك البهيمة مهداة للحرم فلا يقربها أحد حتى صاحبها وإن قرصه وعضه الجوع، وفي ذلك قيام للناس. وتتابع الآية: ﴿ ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموت وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم ﴾ و ﴿ ذلك ﴾ تشير إلى أن الأمور التي تقدمت كلها، و ﴿ لتعلموا أن الله يعلم ما في السموت وما في الأرض ﴾ أي أنه مدبر لهم ما يحفظ حياتهم في كل حال من أغيار الحياة فقد رتب سبحانه لهم حفظ الأرواح، وحفظهم من الجوع، وآمنهم، وحفظ لهم السيادة، كل ذلك بتدبيره وهو الحكيم. لقد دبر كل شيء أزلا، وأتت الأمور على وفق ما دبر من خير ومصلحة، فإذا كان كل ذلك قد فعله سبحانه وتعالى فلأنه الأعلم والأحكم. وقد حدث كل ذلك بعلمه وحكمته، ونؤمن أن ما لا نعرفه قد فعله وصنعه - أيضا - بهذه الحكمة المطلقة وذلك العلم المطلق. ﴿ ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم ﴾ لقد رتب حياة الناس في الجزيرة وحول البيت الحرام على الرغم من أنهم قبل الرسالة كانوا يعبدون الأصنام، ولكنه هداهم بالرسالة المحمدية. ولذلك قال: ﴿ اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ﴾ فسبحانه جعل البيت أمنا وأمانا، وهذا إخبار شرعي لا إخبار كوني. والفرق بين الإخبار الكوني والإخبار الشرعي أن الإخبار الكوني لا بد أن يحدث لأنه لا دخل للناس به، أما الإخبار الشرعي فهو أمر يجب أن يقوم الناس بتنفيذه، فإن أطاع الناس الخبر القادم من الله جعلوا البيت آمنا، وإن أساءوا جعلوه غير آمن. وفي زماننا القريب عندما اعتدى شاب يدعى جهيمان على الحرم، تساءل الناس: كيف يعتدي إنسان على الحرم وقد أراده الله حرما آمنا؟ وقلنا: إن أمر الله بجعل البيت حرما آمنا هو أمر شرعي ينفذه المؤمنون إن أطاعوا، وإن لم ينفذوه فهم غير مؤمنين. والمثال على الأمر الشرعي والكوني قوله الحق:

والطيبات للطيبين

[النور: 26]. إننا نجد في الحياة خبيثا يتزوج امرأة طيبة، ونجد طيبا يتزوج خبيثة. وهذا يثبت لنا أن قوله الحق: ﴿ والطيبات للطيبين ﴾ هو أمر شرعي بأن نزوج الطيب طيبة مثله، وهو واجب التنفيذ إن كنا مؤمنين بالمنهج، أما إن خالفنا المنهج فإننا نزوج الطيب خبيثة والطيبة خبيثا، وبذلك يختل التكافؤ في الأسرة، وتصير حياة المجتمع جحيما، ومن أجل أن نحفظ للمجتمع توازنه علينا أن نزوج الطيب للطيبة وأن نترك الخبيثة للخبيث، حتى لا تكون حياتنا في فتنة. وينبهنا سبحانه إلى ضرورة مراعاة أوامره الشرعية فيقول لنا سبحانه: ﴿ اعلموا أن الله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤٧٢