وجرد الفعل إذا ما أسندا
لاثنين أو جمع ك " فاز الشهدا "
أي أن الفعل إذا أسند لمثنى أو مجموع وجب تجريده من العلامة التي تدل على التثنية أو على الجمع. أما كلمة كثير فتعرب إما على أنها البدل من واو الجماعة، وإما على إضمار مبتدأ أي العمى والصم كثير منهم، وإما على أنها فاعل ويكون ذلك قد جاء على لغة طائفة من العرب وهم بنو الحارث بن كعب، وهؤلاء قد يأتون بعلامة تدل على التثنية أو الجمع إذا أسند الفعل إلى اسم ظاهر مثنى أو مجموع مثل: قاموا الرجال وسافرا محمد وعلي.
وحمل بعضهم قوله تعالى:
وأسروا النجوى الذين ظلموا
[الأنبياء: 3] على هذا، وكان قول الحق: ﴿ كثير منهم ﴾ صيانة للاحتمال بأن قلة منهم تدير أمر الإيمان في قلوبهم، وكلمة " كثير " جاءت حتى ننتبه إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يهمل أبدا القلة التي تدير أمر الإيمان في خواطرهم. ليؤكد ويعاضد ما جاء في قوله تعالى:
وأن أكثركم فاسقون
[المائدة: 59]. ﴿ ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون ﴾ و " بصير " مثلها مثل " عليم " ، أي شاهد وليس مع العين أين. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ لقد كفر الذين قالوا... ﴾.
5.72
وهناك ثلاث آيات تتعرض لهذه المسألة: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾. والآية الثانية:
لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة
[المائدة: 73]. والآية الثالثة:
وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق
[المائدة: 116]. إذن فالخلاف في المسألة جاء على ثلاث صور: طائفة تقول: المسيح هو الله. وطائفة تقول: إن المسيح هو إله مع اثنين آخرين. وطائفة تقول: إن المسيح هو وأمه إلهان. ولكل طائفة رد. والرد يأتي من أبسط شيء نشاهده في الوجود للكائن الحي، فالإنسان - كما نعرف - سيد الكون والأدنى منه يخدمه. فالإنسان يحتاج إلى الحيوان من أجل منافعه، وكذلك يحتاج إلى النبات والجماد، هذا السيد - الإنسان - يحتاج إلى الأدنى منه. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يرد على تأليه سيدنا عيسى وسيدتنا مريم، فقال:
كانا يأكلان الطعام
[المائدة: 75]. وهذا استدلال من أوضح الأدلة، لا للفيلسوف فحسب ولكن لكل المستويات، فماداما يأكلان الطعام فقد احتاجا إلى الأدنى منهما. والذي يحتاج إلى الأدنى منه لا يكون الأعلى ولا هو الواحد الأحد. والمتبعون لهذه الفرق الثلاثة مختلفون. والحق سبحانه وتعالى يقول:
ولا تقولوا ثلاثة
[النساء: 171] وكلمة ﴿ ثالث ثلاثة ﴾ تستعمل على أنه واحد من ثلاثة لكنه غير معين. فكل ثلاثة يجتمعون معا، يقال لكل واحد منهم إنه ﴿ ثالث ثلاثة ﴾. وليس هذا القول ممنوعا إلا في حالة واحدة، أن نقول: ثالث ثلاثة آلهة لأن الإله لا يتعدد. ويصح أن نقول كلمة: " ثالث اثنين " لأن الله يقول:
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم
[المجادلة: 7]. إذن فمن الممكن أن نقول: هو رابع ثلاثة، أو خامس أربعة أو سادس خمسة. وهو الذي يصير الثلاثة به أربعة أو يصير الأربعة به خمسة أو يصير الخمسة به ستة. إننا إن أوردنا عددا هو اسم فاعل وبعد ذلك أضفناه لما دونه، فهذا تعيين بأنه الأخير. فإن قال قائل: الله رابع ثلاث جالسين فهذا قول صحيح. لكن لو قلنا إنهم آلهة. فهذا هو المحرم، والممنوع لأن الإله لا يتعدد. ويلاحظ أن الحق لم يقل: ما يكون من نجوى اثنين إلا هو ثالثهم لأن النجوى لا تكون إلا من ثلاثة، فإن جلس اثنان معا فهما يتكلمان معا دون نجوى لأن النجوى تتطلب ألا يسمعهم أحد. والنجوى مسارة، وأول النجوى ثلاثة، ولذلك بدأها الحق بأول عدد تنطبق عليه. فإن قلت: " ثالث ثلاثة " فهذا قول صحيح إن لم يكونوا ثلاثة آلهة. والحق أراد أن يدفع هذا القول بالبطلان حين قال: