5.89
عندما ننظر في قول الحق: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ نعرف أن " يؤاخذ " من " أخذ " ويأخذ من أخذ، فإن قلت: " أخذت فلانا بكذا " فذلك دليل على أنك أنزلت به نكالا لأنه لم يدخل في تعاقد خيري معك، ولكن أن تقول: " آخذته ". كأن المفاعلة حدثت بأن دخل معك في عقد الإيمان ولذلك يأخذ الحق الكافرين أخذ عزيز مقتدر. ولكنه يؤاخذ المؤمنين، لماذا؟ لأن المؤمنين طرف في التعاقد، أما الكافرون فليسوا طرفا في التعاقد لذلك يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. إذن فالمؤاخذة غير الأخذ، المؤاخذة هي إنزال عقوبة بمن له معك عهد فخالفه بعمل جريمة نص عليها فلا يؤاخذه أبدا بجريمة لم ينص عليها، ولا يتم توقيع عقاب على أحد دون تحذير مسبق. ولذلك ففي القانون المدني يقولون: لا عقوبة إلا بجريمة ولا جريمة إلا بنص. إذن لا بد من النص أولا على العقاب على الجريمة لأن النص على فعل ما بأنه جريمة يجعل الإنسان يراجع نفسه قبل الإقدام على مثل هذا الفعل. أما عدم وجود نص على أن ذلك الفعل جريمة يجعل الإنسان حرا في أن يفعله أو لا يفعله لأنه فعل مباح. وعلينا أن نلحظ التعاقد في قوله الحق: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾. وعندما ننظر إلى معنى: " اللغو " نجده الشيء الذي يجري على اللسان بدون قصد قلبي مثل قول الإنسان في اللغة العامية: لا والله أو: والله أن تأتي للغداء معنا، هذا هو اللغو. أي هو الكلام من غير أن يكون للقلب فيه تصميم. وسبحانه وتعالى قد خلقنا وهو الأعلم بنا علم - سبحانه - أن هناك كلمات تجري على ألسنتنا لا نعنيها. ودليل ذلك أن الأم التي تحب وحيدها قد تدعو عليه، لكن ذلك بلسانها، أما قلبها فيرفض ذلك. ولهذا يقول المثل الشعبي: أدعي على ابني واكره من يقول آمين. إذن الحق سبحانه وتعالى علم بشريتنا، وعلم أن اللسان قد يأتي بألفاظ لم تمر على قلبه فيقول سبحانه: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ واتبع الحق ذلك: ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾. وساعة نرى كلمة " ولكن " نعرف أن هناك استدراكا، والاستدراك هو إثبات ما يتوهم نفيه أو نفي ما يتوهم ثبوته. وساعة نرى كلمة " عقدتم " فهي دليل على أنها عملية جزم قلبية، وأن الإنسان قبل أن ينطق بالقسم قد أدار المسألة في ذهنه وخواطره وانتهى إلى هذا الرأي. إذن فاللغو هو مرور كلمة على اللسان دون أن تمر على القلب، وضربنا مثلا على ذلك وهو دعاء الأم على وحيدها.
ونحن نرى أن هناك ألفاظا كثيرة تمر على ألسنة قد تؤدي إلى الكفر ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله يضع لنا صدق النية فيقول:
" " أخطأ من شدة الفرح ". قالها رسول الله تعليقا على رجل قال: " اللهم أنت عبدي وأنا ربك ".
هذا هو اللغو ومن رحمة الله بنا أنه يعفو بعميق وواسع رحمته فيقول لنا: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾. وكلمة " عقدتم " دليل على أن اللسان لم يعقد شيئا فحسب ولكن عقده بإحكام قوي. فساعة تبالغ في الحدث فأنت تأتي له باللفظ الذي يدل على المعنى تماما بتمكين وتثبيت. وعلى ذلك فكلمة " عقد " غير " عقد " إذن فكلمة " عقد " أي أن الإنسان قد صنع عقدة محكمة. ومثال على التأكيد قول الحق سبحانه وتعالى:
وغلقت الأبواب
[يوسف: 23]. قد يقول قائل: ألم يكن يكفي أن يقول الحق سبحانه: " وغلقت الأبواب "؟ ونقول: لا إن الحق قد أتى بالفعل الذي يؤكد إحكام الإغلاق. فإغلاق الأبواب يختلف من درجة إلى أخرى فهناك غلق للباب بلسان " طبلة " الباب وهناك غلق بالمزلاج، وقوله الحق:
وغلقت الأبواب
[يوسف: 23] أي أن امرأة العزيز بالغت في غلق الأبواب. وكذلك قوله الحق: ﴿ عقدتم الأيمان ﴾. أي جالت في قلوبكم جولة تثبت صدق نيتكم في الحلف. وهناك صورة أدائية أخرى تلتقي مع هذه الصورة في المعنى، حين قال سبحانه: