5.105
والحق سبحانه قد قال من قبل:
وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ
[المائدة: 104]. والقولان يدلان على أن هناك فريقين: فريقا يسير على الضلال، وفريقا يسير على الهداية. وهناك معركة بين الفريقين. فهل تدوم هذه المعركة طويلا؟ نعم ستظل هذه المعركة طويلا لأن أهل الضلال لا يحبون أن يحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه، وكذلك فهم يستفيدون من فساد الكون. والمؤمن يحب الطاعة ويحاول أن يجعل أخاه المؤمن محبا للطاعة، فإن رآه على منكر فإنه ينهاه عنه ويدفعه إلى المعروف، فالخير حين يكون من الإنسان ينفع سواه، وقد يتأجل نفعه هو لنفسه إلى الآخرة. وخير المؤمن يفيد المجتمع ويضر أهل الضلال. وصدق المؤمن يفيد المجتمع ويضر أهل الضلال. ونزاهة المؤمن يستفيد منها المجتمع، وتضر أهل الضلال. أما إن كان المجتمع فاسدا فالمؤمن يشقى بفساد هذا المجتمع. إذن فمن مصلحة المؤمن أن يعدي الخير منه إلى سواه، حتى ينتشر الخير ويعود الخير إلى المؤمن من حركة الخير في المجتمع. ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي ألزموا أنفسكم، وكأن نفوس المؤمنين وحدة واحدة. وهو تعبير عن ضرورة شيوع الرتابة الإيمانية المتبادلة. ومثل هذا الأمر جاء في التعامل مع أموال السفهاء لقد قال الحق:
ولا تؤتوا السفهآء أموالكم
[النساء: 5]. لأن السفيه لا حق له في إدارة ماله حتى يرشد لأن المال في الواقع هو مال كل المسلمين، وعليهم إدارته لينتفع به كل المسلمين. وتكون إدارة الأمر أولا بالنصح، فإن لم يرتدع السفيه فليرفع عليه أقرب الناس إليه قضية حجر، ذلك لأن أي شر ينتج من سلوك السفيه بماله إنما يعود على المجتمع، وعلى هذا فالمال يظل مال الناس يقومون على إدارته إلى أن يعود السفيه إلى رشده فيعود له حق التصرف في ماله.
فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم
[النساء: 6]. لم يقل الحق إذن: " فادفعوا إليهم أموالكم " ذلك أن الرشيد أصبح مأمونا على ماله لذلك يعود المال إلى السفيه من فور عودته إلى الرشد. وكذلك قول الحق: ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي أنكم يا جماعة المؤمنين كل منكم مسئول عن نفسه وعن بقية النفوس المؤمنة، ومن الهداية أن نقوم الذي على فساد. ولا يقولن مؤمن: " وأنا مالي ". وتتابع الآية ﴿ لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ فما دمتم قد حاولتم تقويم الفساد فأنتم قد أديتم ما عليكم في ضوء قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ".
ولكن كيف يكون التغيير بالقلب؟ أي أن يكون تصرف الإنسان المؤمن هو المقاطعة لمن يخرج على منهج الله، فإن قاطع كل المؤمنين أي خارج على منهج الله فلا بد أن يرتدع، وعلى المؤمن ألا يقابل منحرفا أو منحرفة بترحيب أو تعظيم، فالتغيير بالقلب أن يكون التصرف السلوكي الظاهري مطابقا لما في القلب، فيحس فاعل المنكر أنه مستهجن من غيره.
وقد يستسهل الناس أمور الشر أولا إذا ما صادفهم من ينافقهم بمجاملات في غير محلها، لكن لو استشعر فاعل المنكر أنه مقاطع من جماعة المسلمين وإن لم تضربه على يده، فلا بد أن يرتدع، والحق سبحانه وتعالى يقول:
وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم
[الأنعام: 68]. أي أنك ساعة تعرض عن الذين يخالفون منهج الله، وساعة يعرض غيرك عنه، فإن ذلك يؤذيه، ولا يجعل الناس يستشرون في الشر ويتفاقم ويعظم ضررهم إلا احترام المجتمع لهم. والمثال في القرى نجد أن الذي يمتلك بندقية ينال احتراما ومجاملات تجعله يتجبر بسلاحه، ولو أن الناس أعرضت عنه لضاعت هيبته ولعاد مرة أخرى يسلك السلوك الملتزم. وما المقياس في أمر التغيير بالقلب ومعاملة فاعل المنكر بعدم مودة ومحبة؟ نقول: علينا أن نستمع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل مرة عن هذه الآية: ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ ، فقال: