تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 17] فإياك أن تظن أن التقوى لن تنال ثوابها وجزاءها إلا في الآخرة لأنه كلما فعلت أمرا وتلتفت وجدت آثاره في نفسك، تصلي تجد أمورك خفت عن نفسك، فلا ترتكب السيئة في غفلة من الناس، قلبك لا يكون مشغولا بأي شيء، ويحيا المؤمن في سلام مع نفسه أبدا. إذن فسبل السلام متعددة: سبل السلام مع الله، سبل السلام مع الكون كله، سبل السلام مع مجتمعه، سبل السلام مع أسرته، سبل السلام مع نفسه. ويقول الحق:

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله

[الأنعام: 153] إذن فهناك سبل سلام وسبل ضلال. وفي هذه الآية يقول الحق: ﴿ ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ﴾ ، والظلمات هي محل الاصطدام، وعندما يخرجهم من الظلمات إلى النور يرون الطريق الصحيح الموصل إلى الخير، والطريق الموصل إلى غير الخير. وبعدما يخرجون من الظلمات إلى النور تكون حركاتهم متساندة وليست متعاندة، ولا يوجد صدام ولا شيء يورثهم بغضاء وشحناء، أو المراد أنه يهديهم إلى الصراط المستقيم وهو الجنة. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ لقد كفر الذين... ﴾.

5.17

وقال سبحانه من قبل:

فأغرينا بينهم العداوة

[المائدة: 14] فمن اتبعوا اليعقوبية قالوا شيئا، والنصرانية قالت شيئا، والملكانية قالت شيئا ثالثا فجاء بالقمة: ﴿ لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾. ويأتي قوله سبحانه: " قل " ، ردا عليهم: ﴿ فمن يملك من الله شيئا ﴾ أي من يمنع قدر الله أن ينزل بمن جعلتموه إلها ﴿ إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ﴾. لقد زعموا أن الله هو المسيح عيسى ابن مريم وفي هذا اجتراء على مقام الألوهية المنزهة عن التشبيه وعن الحلول في أي شيء. وفي هذا القول الكريم بلاغ لهؤلاء أن أحدا لا يستطيع أن يمنع إهلاك الله لعيسى وأمه وجميع من في الأرض. فهو الحق الملك الخالق للسماوات والأرض. وما بينهما يخلق ما يشاء كما يريد. فإن كان قد خلق المسيح دون أب فقد جاءنا البلاغ من قبل بأنه سبحانه خلق آدم بدون أب ولا أم، وخلق حواء دون أم، جلت عظمته وقدرته لا يعجزه شيء. إن عيسى عليه السلام من البشر قابل للفناء ككل البشر. ﴿ ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشآء ﴾ جاء الحق هنا بالسماء كنوع علوي والأرض كنوع سفلي، وقوله: ﴿ يخلق ما يشآء ﴾ يرد على الشبهة بإيجاز دقيق: ﴿ يخلق ما يشآء ﴾ لأن الفتنة جاءت من ناحية أن عيسى عليه السلام ميز في طريقة خلقه بشيء لم يكن في عامة الناس فأوضح الحق: لا تظنوا أن الخلق الذي أخلقه يشترط علي أن تكون هناك ذكورة وأنوثة ولقاح، هذا في العرف العام الذي يفترض وجود ذكورة وأنوثة، وإلا لكان يجب أن تكون الفتنة قبل عيسى في آدم لأنه خلق من غير أب ولا أم. إذن فالذي يريد أن يفتتن بأنه من أم دون أب، كان يجب أن يفتتن في آدم لأنه لا أب ولا أم. ويوضح لهم: الله يخلق ما يشاء فلا يتحتم أو يلزم أن يكون من زوجين أو من ذكر فقط أو من أنثى فقط. إن ربنا سبحانه وتعالى له طلاقة القدرة في أن يخلق ما يشاء، وقد أدار خلقه على القسمة العقلية المنطقية الأربعة: إما أن يكون من أب وأم مثلنا جميعا، وإما أن يكون بعدمهما مثل آدم، وإما أن يكون بالذكر دون الأنثى كحواء، وإما أن يكون بالأنثى دون الذكر كعيسى عليه السلام، فأدار الله الخلق على القواعد المنطقية الأربعة كي لا تفهم أن ربنا يريد مواصفات خاصة كي يخلق بل هو يخلق ما يشاء. والدليل على ذلك أن الزوجين يكونان موجودين مع بعضهما ومع ذلك لا ينجب منهما، فهل هناك اكتمال أكثر من هذا؟!

لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٠٥