تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويأتي الحق من بعد ذلك بالقول: ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ والحفظ هو عدم التضييع. أما كيف نحفظ أيماننا؟ فنقول: إن على الإنسان ألا يجري اليمين على لسانه، هذه واحدة. والثانية: أن يحاول الإنسان ألا يحنث في اليمين. وهذا يقتضي ألا يحلف الإنسان على شيء يقوله بلسانه ويخضعه لقلبه إى إذا كان على ثقة من أنه سيجند كل جوارحه للقيام بهذا العمل الذي أقسم أن يقوم به، وهذا هو معنى قوله الحق: ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾. ويذيل الحق الآية الكريمة: ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ﴾. والشكر هو الثناء من المنعم عليه على المنعم بالنعمة، فكأن هذه التشريعات تستحق منا الشكر لأنها جعلت اللغو غير مؤاخذ عليه، ولأنها جعلت اليمين الذي عقدته له كفارة، وفي كل من الأمرين تيسير يستحق الشكر لله. ويتابع الحق القول: ﴿ يأيها الذين آمنوا... ﴾.

5.90

ساعة تسمع كلمة: " إنما " فاعلم أنهم يسمونها في اللغة " أداة قصر " كقولنا: إنما زيد مجتهد، وهذا يعني أننا قصرنا زيدا على الاجتهاد. لكن إن قلنا: إنما المجتهد زيد، فنحن في هذه الحالة قصرنا الاجتهاد على زيد. وساعة تقصر إنسانا على وصف فذلك يسمونه: " قصر موصوف على صفة " ، وعندما نقول: إنما زيد شاعر. فهذا يعني أن زيدا شاعر فقط وهو ليس بكاتب أو خطيب. أما إن قلت: إنما الشاعر زيد، فهذا يعني أنه لا يوجد شاعر إلا زيد فكأنك نفيت عن الآخرين أنهم شعراء، وأن زيدا فقط هو الشاعر ويحتمل أن يكون كاتبا وخطيبا وعالما مع كونه شاعرا. إذن فساعة ترى " إنما " فاعرف أنها أداة من أدوات القصر. والحق سبحانه يقول هنا: ﴿ يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ﴾ [المائدة: 90]. أي أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام كلها رجس من عمل الشيطان. والرجس هو الشيء الرديء الخبيث القذر. والقذارة والخبث هما من الأمور التي قد تكون حسية مثل الخمر، وقد تكون معنوية كالأنصاب والأزلام وجمع الحق سبحانه في هذه الآية الأمرين معا. ولم يقل إن الخمر هي عصير العنب أو عصير التفاح، إنما جاء بالخمر التي تشمل كل ما يخامر العقل ويستره. وتعجب بعض العلماء من أن هذه الآية نزلت في البلاد التي ليس فيها شيء من عصير العنب، ذلك أنهم ظنوا أن عصير العنب فقط هو الذي يستر العقل، لكن الحق جاء بالتحريم الشامل لكل ما يستر العقل. لماذا إذن تكون الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسا من عمل الشيطان؟ إن الحق سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض وسخر له كل شيء في الوجود وطلب منه أن يعبده وحده وأن يعمر هذه الأرض. وأراد الحق أن يضمن للإنسان سلامة أشياء متعددة سلامة نفسه فلا يعتدى عليها بالقتل أو غير ذلك، وسلامة عقله فلا يجنى عليه بما يستر آلية الاختيار بين البدائل، وسلامة عرضه فلا يلغ فيه أحد وحتى تأتي الأنسال التي تعمر الكون وهي أنسال طاهرة، وسلامة ماله حتى يحفظ على الإنسان أثر حركته في الحياة وحتى لا يأخذ غيره أثر حركته، وذلك حتى لا يزهد العامل في العمل ولا يعود الطاقات أن تأخذ من غير عملها فتكسل وتتواكل، فالإنسان إذا ما اعتاد أن يأخذ من غير عمل صار العمل صعبا عليه، وهكذا كانت صيانة المال لا تبدد طاقة ولا تهدر حقا، ولا تعطي غير ذي حق حقا لغيره، وهكذا حتى لا يشيع العجز الاصطناعي في الكون.

ولذلك قال الحق وهو مانح كل مال:

من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا

[البقرة: 245]. أي أنه - وهو المانح سبحانه وتعالى - قد احترم حركة الإنسان فلا يستمرئ أحد البطالة. وعندما تنتشر البطالة في الإسلام يعالج الأمر بحكمة بالغة فهو يطلب من الوالي أن يسبب لهم الأسباب ليعملوا. وذلك حتى لا يتعودوا على الأخذ بغير عمل لئلا تكون مصيبة على المجتمع. وأراد سبحانه بالشريعة السمحاء أن يحمي الإنسان من كل ما يبدده، فحينما حرم الخمر، أي منع عن الإنسان ستر العقل، ذلك أن ميزة الإنسان على الحيوان هي العقل. إن الإنسان يختلف عن الحيوان بأنه يحفظ حياته بالعقل، أما الحيوان فيحفظ حياته بالغريزة. ولذلك فالحيوان لا يملك إلا ردا واحدا إذا ما تم الاعتداء عليه الكلب يعض المعتدي والقطة تخمش المعتدي، أما الإنسان فعندما يعتدي عليه أحد فهو يختار بين بدائل للرد على العدوان، إما أن يضرب وإما أن يقتل وإما أن يسامح. ومثال لذلك نراه في الريف، عندما يحاول راكب الحمار أن يجبر الحمار على القفز على قناة صغيرة فيها مياه يرفض الحمار ذلك تماما ومهما ضربه راكبه فهو يرفض القفز لأن غريزته تمنعه من ذلك. أما الإنسان فقد ينتابه الغرور ويظن أنه قادر على القفز فوق القناة فيقفز لكنه قد يقع في المياه. وتوجد المجازفة عند الإنسان، لكنها لا توجد عند الحيوان بمقتضى الغريزة. ومثال آخر من عالم الحيوان. نجد ذكر الجاموس يقترب من الأنثى ليشمها فإن وجدها حاملا لا يقربها، هكذا الحيوان. أما الإنسان فلا. والحمار يتناول طعامه من البرسيم مثلا ما يشبعه ولا يزيد أبدا في الطعام مهما ضربه صاحبه لأنه محكوم بالغريزة، أما الإنسان فقد يأكل فوق طاقته. وهكذا نجد الغريزة هي التي تعصم الحيوان، والعقل هو الذي يعصم الإنسان. ولذلك لا يملك الحيوان القدرة على الاختيار، ولكن ميزان غرائزه لا يختل أبدا. أما ميزان الغرائز عند الإنسان فقد يختل. لقد ميز الله الإنسان عن الحيوان بالاختيار بين البدائل بالعقل، ولذلك لا يصح ولا يستقيم من الإنسان أن يطمس هذه القدرة بالخمر. فإن طمس قدرة الاختيار، فإن غرائزه في هذه الحالة لا تنفعه لأنها غير مؤهلة لحمايته، ولذلك نجد الذي يطمس عقله يضع نفسه في مرتبة أقل من الحيوان لأن الحيوان تحميه الغريزة، والإنسان يحفظه عقله، وهو في هذه الحالة قد طمسه وغطاه، وقد حرم الله الخمر لأنها تستر العقل. وكل ما يستر العقل خمر ولو كان أصله حلالا وذلك لأن العقل هو مناط التكليف. وكذلك حرم الله الميسر. ولنر دقة الاسم الذي اختاره الله للقمار، إنه " الميسر " ولم يسمه " المعسر " ذلك أن أحدا لا يقبل على الميسر وهو يظن أنه سوف يخسر، وكل من يلعبون القمار إنما يفعلون ذلك على أمل الكسب لذلك جاء بالاسم الذي يعبر عن حالة اللاعب للقمار إنه يلعب على وهم الكسب، وإن كسب فالمكسب يغريه بالمزيد من اللعب.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤٥١