وما يعلم جنود ربك إلا هو
[المدثر: 31] ويختتم الحق الآية بهذا التذييل: ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴾ أي لا تتوقفوا عند حساب العدد في مواجهة العدد، والعدة في مواجهة العدة، ولكن احسبوا الأمر إيمانيا لأن الله معكم ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ﴾. وهو سبحانه القائل:
وإن جندنا لهم الغالبون
[الصافات: 173] وعلى المؤمن بالله أن يضع هذا الإيمان في كف قوته. فإن كان هؤلاء الناس من بني إسرائيل المأمورين بدخول تلك الأرض مؤمنين بحق فليتوكلوا على الله. فماذا قال هؤلاء القوم: ﴿ قالوا ياموسى... ﴾.
5.24
كأن خلاصة قولهم لموسى عليه السلام: لا ترهق نفسك معنا ووفر عليك جهدك فنحن لن ندخل هذه الأرض، مادام هؤلاء العمالقة فيها. وإن كنت مصرا على دخولنا هذه الأرض فاذهب أنت وربك فقاتلا ونحن بانتظاركما هنا قاعدون. هكذا بلغ بهم الخوف أن سخروا من موسى ورب موسى. وهكذا وصل بهم الاستهزاء إلى تلك الدرجة المزرية. ولم يكن ذلك بالأمر الجديد عليهم فقد قالوا من قبل:
أرنا الله جهرة
[النساء: 153] ومن قبل ذلك أيضا عبدوا العجل. فماذا يقول موسى: ﴿ قال رب إني لا... ﴾.
5.25
وكان هارون أخا لموسى عليه السلام ومرسلا مثله فكأن موسى عليه السلام قد أعلن عدم ثقته في هؤلاء القوم الذين أرسله الله إليهم حتى ولا يوشع بن نون ولا كالب، وهما الرجلان اللذان قالا لبني إسرائيل: إنه يكفي دخول الباب لتهزموا هؤلاء الناس العمالقة. لكن أكانت نفس أخيه مملوكة له؟ أم أنه قال ما فحواه: إني لا أملك إلا نفسي وكذلك أخي لا يملك إلا نفسه، أما بقية القوم فقد سمعت منهم يارب أنهم لم يدخلوا هذه الأرض مادام بها هؤلاء العمالقة. إذن فأنا وأخي في طرف وبقية القوم في طرف آخر لذلك افصل بيننا وبين هؤلاء القوم الفاسقين. والحق سبحانه وتعالى في هذا التعبير القرآني يأتي بهذه الكلمات على لسان سيدنا موسى والتي تحتمل أن يرق لها قلب واحد من أتباع موسى عليه السلام فيقول لموسى: إنني معك. ولذلك جاء قول موسى: ﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾. ومعنى الفاسقين - كما عرفنا - هم من خرجوا عن الإيمان، كما تفسق الرطبة فالبلحة عندما ترطب فإن قشرتها تتسع عن حجمها فتخرج الرطبة من قشرتها ويقال فسقت الرطبة فكأن الإيمان كالجلد والجلد كالقشرة. وهو كغلاف يحيط بالإنسان. وعندما يفسق الإنسان عن الإيمان فهو يخرج عن قانون الصيانة، وكذلك كان فسق بني إسرائيل لذلك قال الحق: ﴿ قال فإنها محرمة... ﴾.