5.12
يذكر الحق هنا رسوله بالميثاق الذي أخذه من بني إسرائيل. وقد يكون المقصود هو ميثاق الذر أو يكون المراد بالميثاق ما جاء في قوله تعالى:
وإذ أخذ الله ميثاق النبيين
[آل عمران: 81] أو أن يكون المراد بالميثاق هو ما بينه بقوله سبحانه:
خذوا مآ ءاتينكم بقوة
[البقرة: 63] ويقول سبحانه: ﴿ وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ﴾ ولنر " التكتيك " الديني الذي أراده الحق، فهو لا يجمع أجناس الخلق المختلفة على واحد من نوع منها لأن ذلك قد يعرض الدعوة لعصبية فاختار سبحانه اثني عشر نقيبا على عدد الأسباط حتى لا يقولن سبط: كيف لا يكون لي نقيب؟. وحسم الله الأمر، ولم يجعله محلا للنزاع فجعل لكل سبط نقيبا منهم. والنقيب هو الذي يدير حركتهم العقدية والدينية. وساعة نسمع كلمة " نقيب " نعرف أنها من مادة " النون والقاف والباء " ، " والنقب " هو إحداث فجوة لها عمق في أي جسم صلب. إن اختيار الحق لكلمة نقيب، يدل على أن النقيب الصادق ينبغي أن يكون صاحب عينين في منتهى اليقظة حتى يختار لكل فرد المهمة التي تناسبه ويركز على كل فرد بما يجعله يؤدي عمله بما ينفع الحركة الكاملة. وبذلك يكون كل فرد في السبط له عمله ومكانه المناسب. ولا يتأتى ذلك إلا بالتنقيب، أي معرفة حالة كل واحد وميوله فيضعه في المكان المناسب. إذن فالنقيب هو المنقب الذي لا يكتفي بظواهر الأمور بل ينقبها ليعرف ظروف وأسباب كل واحد. واختار الحق من كل سبط نقيبا، ولم يجعل لسبط نقيبا من سبط آخر حتى يمنع السيطرة من سبط على سبط، ويمنع أن يكون النقيب على جهالة بمن يريد حركتهم من الأسباط الآخرين. ونحن نسمع في حياتنا اليومية وصفا لإنسان: فلان له مناقب كثيرة، أي أن له فضائل يذكرها الناس، كأن على صاحب الفضائل ألا يتباهى بها بنفسه بل عليه أن يترك الناس لينقبوا عن فضائله، ولذلك كانت كنوز الأرض وكنوز الحضارات مدفونة ننقب عليها، أما ما يظهر على سطح الأرض فتذروه الرياح وعوامل التعرية ولا يبقى منه شيء. إذن فكلمة " نقيب " في كل مادتها تدور حول الدخول إلى العمق، لذلك تصف الرجل الفاضل: فلان له مناقب أي أن نقبت وجدت له فضائل تذكر، وقد أعطاه الله موهبة الخير ولا يتعالم بها، بل يدع الناس هم الذين يحكمون ويذكرون هذه الصفات. ومن نفس المادة " النقاب " أي أن تغطي المرأة وجهها. وقوله الحق: ﴿ إني معكم ﴾ يعطيهم خصلة إيمانية، فلا يظنن أحد أنه يواجه أعداء منهج الله بذاته الخاصة بل بمعونة الله فلا يضعف أحد أو يهن مادام مؤمنا، وكما قال الحق:
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
[الأنفال: 60] وبعد أن يعد المؤمنون ما استطاعوا فليتركوا الباقي على الله.. وجاء أيضا قوله: ﴿ وقال الله إني معكم ﴾ أي أن كل نقيب على سبط ليس له مطلق التصرف، ولكن الله يوضح: " أنا معكم وسأنظر كيف يدير كل نقيب هذه المسائل " أي أنه سبحانه وتعالى مطلع على واقعكم، فليس معنى الولاية أن يكون للوالي مطلق التصرف في جماعته لا لأن الله رقيب. وقوله الحق: ﴿ إني معكم ﴾ تدل على أن من ولي أمرا فلا بد أن يتابعه ويراه. وبعد ذلك قال: ﴿ لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ﴾. و " لئن " تضم شرطا وقسما، كأن الحق يقول: وعزتي لئن أقمتم الصلاة وفعلتم كذا وكذا ليكونن الجزاء أن أكفر عنكم السيئات. ودلت " اللام " على القسم، ودلت " إن " على الشرط فيه " إن " الشرطية. والقسم - كما نعلم - يحتاج إلى جواب، والشرط يحتاج إلى جواب أيضا، فالواحد منا يقول للطالب: إن تذاكر تنجح. والواحد منا يقول: " والله لأفعلن كذا " ، و " الله " هي القسم. و " لأفعلن " جواب القسم المؤكد باللام. وحين يأتي القسم في جملة بمفرده فجوابه يأتي، وحين يأتي الشرط بمفرده في جملة فجوابه يأتي أيضا. ولكن ماذا عندما يأتي القسم مع الشرط؟ هل يأتي جوابان: جواب للشرط وجواب للقسم؟. عندما تجد هذه الحالة فانظر إلى المقدم منهما، هل هو القسم أو الشرط؟ لأن المقدم منهما هو الأهم فيأتي جوابه، ويغني عن جواب الثاني. والمتقدم هنا هو القسم، تماما مثل قولنا: - لئن قام زيد لأقومن، وهنا يكون الجواب جواب القسم، أما إن قلنا: إن قام زيد والله أكرمه، فالجواب جواب الشرط فقدم الشرط على القسم. هذا إن لم يكن قد تقدم ما يحتاج إلى خبر كالمبتدأ أو ما في حكمه، فإن جاء والخبر أي المحتاج إلى الخبر فالشرط هو الراجح، أي فالراجح أن نأتي بجواب الشرط ونحذف جواب القسم لأن الشرط تأسيس والقسم توكيد. وابن مالك في الألفية يوضح هذه القاعدة: