5.2
بداية هذه الآية تقول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله ﴾ وهي تأتي بعد آية أحلت أشياء، كأن الحق يقول للعبد: مادمت قد أعطيت فأنا أمنع عنك أعطيتك أشياء وأمنعك أشياء. وسبحانه حين يخطر على الإنسان شيئا ويمنعه منه فهو يعطي هذا الشيء لأخ مؤمن، ومادام الأمر كذلك فلا يستطيع ولا يصح أن تنظر إلى الشيء المسلوب منك فقط بل انظر إلى المسلوب من غيرك بالنسبة لك. وعلى سبيل المثال حين يأمرك الحق: " لا تسرق " ، فأنت شخص واحد، ويقيد سبحانه حريتك بهذا الأمر، وقيد في الوقت نفسه حرية كل الناس بالنسبة إليك. وعندما تقارن الأمر بالنسبة لنفسك تجد أنك المستفيد أساسا لأن كل الناس ستطبق حكم الله بألا يسرقوا منك شيئا، وفي هذا خدمة لكل عبد. وهب أن واحدا سرق، إنه لن يستطيع أن يسرق من كل الناس. ولو سرق ألف من الناس شخصا واحدا فما الذي يبقى له؟! وحين يأمر الحق العبد ألا ينظر إلى محارم غيره، فظاهر الأمر أنه تقييد لحركة العبد، لكن الواقع أنه سبحانه قيد حركة الناس كلها من أجل هذا العبد، وأمرهم ألا ينظروا إلى محارم غيرهم. إذن ساعة ترى أيها المسلم نهيا أمر به الله، فلا تصب النهي عليك. ولكن صب النهي أيضا على كل الناس بالنسبة لك. وساعة يقول الحق: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله ﴾ أي لا تجعلوا شعائر الله حلالا. والشعائر هي معالم الدين كلها. ونقول " هذه الدولة شعارها النسر " معنى ذلك أننا إذا رأينا الشعار نعرف البلد. وكذلك أعلام الدول، فهذا علم لمصر، وذاك علم لانجلترا، وثالث علم لفرنسا، وكل محافظة في مصر - على سبيل المثال - تضع لنفسها شعارا وعلما، إذن فالشعار هو المعلم الذي يدل على الشيء. وشعائر الله هي معالم دين الله المتركزة في " افعل " و " لا تفعل " زمانا ومكانا، عقائد وأحكاما. لكن الشعائر غلبت على ما نسميه مناسك الحج، وأول عملية في مناسك الحج هي الإحرام، أي لا نهمل الإحرام. ومن شعائر الحج الطواف، فلا تحل شعائر الله، ووجب عليك أن تطوف حول البيت، وكذلك السعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، ورمي الجمار، كل هذه شعائر الله التي أمر ألا يحلها المؤمنون، أي أمر - سبحانه - ألا يتهاونوا فيها لأن هذه الشعائر هي الضابط الإيماني. وأن ننظر إلى أن أمر الله لكل حاج أو معتمر بالإحرام هو أمر بالعزلة لبعض الوقت عن النعمة لأن الإنسان يذهب للحج في رحلة إلى المنعم. وأن الإنسان يغير ملابسه بملابس موحدة ولا يتفاضل فيها أحد على أحد لأن الناس في الحياة اليومية تتفاضل بهندامهم، وتدل الملابس على مواقعهم الاجتماعية.
وعندما يخلعون جميعا ملابسهم ويرتدون لباسا موحدا، تكون السمة المميزة هي إعلان الولاء لله. وكذلك عندما يأتي الأمر بألا يقص الإنسان شعرة منه سواء أكان عظيما في مجتمعه أم فقيرا ويتراءى الناس جميعا وينظر بعضهم إلى بعض فيجدون أنهم على سواء على الرغم من اختلاف منازلهم وأقدارهم وتكون ذلة الكبير مساوية لذلة الصغير. وذلك انضباط إيماني لا بين الإنسان والمساوي له، ولكنه الانضباط مع الكون كله، بكل أجناسه. فالشجرة بجانب الحرم محرم على كل إنسان أن يقطعها أو يقطع جزءا منها. وبذلك يأمن النبات في الحرم، وكذلك الحمام والحيوانات وأيضا يأمن لإنسان لأن الجميع في حرم رب الجميع، وتلك مسألة تصنع رعشة ورهبة إيمانية في النفس البشرية. وتكون فترة الحج هي فترة الانضباط الإيماني. وتتوافق فيها كل أجناس الوجود. فالإنسان يتساوى مع الإنسان ولا يلمس الحيوان وكذلك النبات، ويبقى الجماد وهو خادم الجميع من أجناس الكون لأن الحيوان يخدم الإنسان، والنبات يخدم الحيوان، والجماد يخدم الكل، وهو خادم غير مخدوم. ويصنع الحق حماية للجماد في الكعبة نفسها، فيأمر الناس باستلام الحجر الأسود أو بتقبيله إذا تيسر ذلك أو بالإشارة إليه. فهذا السيد العالي - الإنسان - على النبات والحيوان يأتي إلى جماد فيعظمه ويوقره، فالذي لا يستطيع تقبيل الحجر الأسود عليه تحيته بأن يشير إليه بيده، حتى يكون الحج مقبولا منه لذلك يتزاحم الناس للذهاب إلى الحجر الأسود، وهكذا يكون الجماد مصونا في بيت الله الحرام. ويعوضه الله بأن جعله منسكا، وجعله شعيرة وجعل الناس تزدحم عليه وتقبله بينما لا يقبل الإنسان الحيوان أو النبات، لكنه يقبل الجماد أدنى الأجناس. وهذه قمة التوازن الوجودي. فالإنسان المختار المتعالي على الأجناس يذهب صاغرا لتقبيل أو استلام الحجر الأسود بأمر الله. ويرجم الإنسان حجرا آخر هو رمز إبليس، وذلك حتى يعرف الإنسان أن الحجرية ليست قيمة في حد ذاتها، ولكنها أوامر الآمر الأعلى، حتى لا يستقر في ذهن الإنسان تعظيم الحجر، فالحاج يقبل حجرا ويرجم ويرمي حجرا آخر. ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله ﴾ لأن الله جعل الشعائر لتحقق الانضباط الإيماني، وبقاء ذكر الاستخلاف لله فلا يدعي أحد أنه أصيل في الكون، بل الكل عبيد لله. والوجود كله هو سلسلة من الخدمة فالإنسان يخدم الإنسان، والحيوان يخدم الإنسان، والنبات يخدم الإنسان والحيوان، والجماد يخدم الكل لكن لا أحد أفضل من أحد، بل الجماد نفسه مسبح بحمد الله، وقد لا يسبح الإنسان.