وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت
[الحج: 26]. أي أن الحق سبحانه وتعالى أظهر مكان البيت لإبراهيم عليه السلام، ونعرف أن إبراهيم أشرك ابنه إسماعيل في إقامة القواعد من البيت، ونعلم أن إسماعيل قد جاء إلى هذا المكان رضيعا مع أمه، وقال إبراهيم بعد أن رفع القواعد متوجها إلى ربه بالدعاء:
ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم
[إبراهيم: 37]. لقد عرف إبراهيم مكان البيت وأنه بواد غير ذي زرع، لا ماء فيه ولا نبات. وجاء الحق بهذه الكنابة لنعرف أنه لا حياة بدون زرع، والماء لازم للزرع. وبذلك يكون إبراهيم عليه السلام قد لبى نداء الله بأن يأتي إلى مكان ليس به أي نعمة تقيم الحياة، ولا يوجد فيه إلا المنعم، ولذلك نرى سيدتنا هاجر عليها السلام عندما تتلقى الأمر من إبراهيم بالسكن مع ابنها في ذلك المكان تناديه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ فيقول لها: إلى الله تقول: رضيت بالله. هنا تركته سيدتنا هاجر ليمشي كما أراد، فالله لن يضيعها لا هي ولا ابنها لأنها قالت: رضيت بالله. وقص الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا قصتها، والسعي الذي قامت به بين الصفا والمروة، وكيف كانت ثقتها في أن الخالق الأكرم لن يضيعها لا هي ولا ابنها، بل سيرزقهما، فتسعى بين الصفا والمروة لعلها تجد طيرا يدلها على موقع للماء، وتعود إلى المروة لعلها تجد قافلة تسير. إنها تأخذ بالأسباب مع علمها أنها في صحبة المسبب الأعظم. وسعت سبعة أشواط. وهي الأنثى وفي تلك السن، وذلك من لهفتها على توفير شربة ماء لطفلها.
السعي - كما نعرفه - عملية شاقة. ولو أن الله أعطاها الماء على الصفا أو على المروة لما أثبت كلمتها: " إن الله لا يضيعنا ". ولكن الحق يعطيها الماء عند قدمي طفلها الرضيع. وبذلك لها يكون سبحانه قد نبهنا وأرشدنا إلى قضيتين: أما الأولى فإن الإنسان يلزمه أن يسعى على قدر جهده، وأما الثانية فهي أن السعي لا يعطي بمفرده الثمرة، ولكن الثمرة يعطيها الله. وجعل الله من السعي بين الصفا والمروة تعليما لنا بدرس عملي تطبيقي أن نأخذ بالأسباب ولا ننسى المسبب لأن فتنة الناس تأتي من الغرور بالأسباب.
كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]. إنه لا يصح أبدا أن تعزلك الأسباب عن المسبب، ولا تقل سأبقى مع المسبب إلى أن تأتيني الأسباب لا، كن دائما مع الأسباب، وتذكر دائما المسبب. ولذلك نقول: إن الجوارح تعمل، ولكن القلوب تتوكل. وهذا هو المغزى من عطاء الحق سبحانه الماء لهاجر عند قدمي ابنها، وبذلك تستجاب دعوة إبراهيم التي دعا بها الله:
ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون
[إبراهيم: 37]. لقد دعا إبراهيم عليه السلام بالرزق من الثمرات، لأن الوادي غير ذي زرع. ولذلك جعل الحق أفئدة الناس تهوي إلى الكعبة وإلى البيت الحرام. يقول - سبحانه -:
أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا
[القصص: 57]. وكلمة " يجبى " تدلنا على أن الناس لا تأتي بهذه الثمرات اختيارا إلى البيت الحرام الذي جعله الله قياما لحياة من يوجد فيه، بل يأتون بالثمرات قهرا. وهناك أناس لهم مزارع كبيرة وحدائق وفيرة الثمار في الطائف وفي غيرها من البلاد، وعندما يريد إنسان الشراء من نتاج مزارعهم يقولون له: إنه مخصص لمكة فإن أردت شراءه فاذهب إلى مكة. لقد استجاب الحق لدعاء إبراهيم: ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ﴾. و " تهوي " - بكسر الواو - تدل على السقوط من حالق.. أي من مكان مرتفع شاهق. وكأن الشوق إلى الكعبة يجعل الإنسان مقذوفا إليها. ولذلك نجد الكلف بالحج - المحب له والمتعلق به - تشتاق روحه إلى الحج. وعلينا أن نفرق بين " يهوى ".. أي يحب الذهاب، و " يهوي " بكسر الواو أي يذهب بالاندفاع، فالإنسان إن سقط من مكان عال لا يستطيع أن يقول: سأتوقف عند نقطة ما في منتصف مسافة السقوط لأن الذي يقع من مكان لا يقدر على أن يمسك نفسه. ولذلك قال الحق: