5.92
لقد نقل الله الحكم بعدما انتهى من هذه الجزئية إلى حكم عام هو طاعة الله وطاعة الرسول. وأنت ساعة تستقرئ أمر الله بالطاعة فأنت تجدها في صور متعددة. فمرة يقول: ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ [المائدة: 92]. فقد كرر الأمر بالطاعة لله وللرسول، فالإطاعة لله في الحكم العام، وإطاعة الرسول في تفصيله، ومرة يقول سبحانه:
قل أطيعوا الله والرسول
[آل عمران: 32]. إنه هنا لا يكرر أمر الطاعة، فهناك أمر للطاعة، وهناك مطاع، وهناك مطيع والمطيع، هم المخاطبون، فهو هنا يوحد أمر الطاعة، والمطاع هنا هو الله، والرسول يأتي معطوفا على لفظة الجلالة. ومرة يقول الحق سبحانه:
وأطيعوا الرسول
[النور: 56]. نحن إذن أمام حالات للطاعة: الأولى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، والثانية: أطيعوا الله والرسول، والثالثة: أطيعوا الرسول، ومرة واحدة فقط يعطف على ذلك " أولي الأمر " فيقول جل وعلا:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم
[النساء: 59]. وحين قال الحق: ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ [المائدة: 92]. فهو يكرر الأمر بالطاعة عند الله وعند الرسول، لكن عند أولي الأمر لم يأت سبحانه بأمر: " وأطيعوا " ذلك أن طاعة أولي الأمر تكون من باطن الطاعتين: طاعة الله، وطاعة الرسول فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وإذا قال الحق: ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ تكون طاعة الله في الحكم العام، وطاعة الرسول في تفصيل الحكم. والمثال قوله الحق:
ولله على الناس حج البيت
[آل عمران: 97]. هنا نطيع الله في الحكم العام، ونطيع الرسول في تفصيل الحج. لأن التفصيل لم يأت في القرآن، والرسول صلى الله عليه وسلم قال:
" خذوا عني مناسككم "
وعندما يتوحد الأمران: " وأطيعوا الله والرسول " فهذا يعني أن هناك أمرا واحدا قد صدر من الله، وصدور وحصول الفعل من الرسول يكون للقدوة والأسوة وتوكيدا للحكم. وإذا كان لله أمر بالإجمال وللرسول أمر بالتفصيل فسبحانه يقول: ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾. وإذا كان الأمر للرسول فقط ولم يرد فيه شيء من الله فهو أمر صدر بتفويض من الله بناء على قوله الحق:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7]. وهكذا نجد أنه لا تلتبس طاعة بطاعة ولا تتناقض طاعة مع طاعة. والحق هنا يقول: ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ﴾. لماذا هذا التحذير؟ يأتي هذا التحذير ليعلمنا الله أن الشيطان لن يدعنا ندخل في مجال طاعة الله وطاعة الرسول، وسيحاول جاهدا أن يلبس علينا الأمر. فعندما يعرف الشيطان ميلا في نفس إنسان إلى لون من الشهوات، يدخل إليه من باب المعاصي. وإن كان الإنسان قد أوصد بعض السبل أمام الشيطان فلا يستطيع مثلا إغراءه بالسرقة أو شرب الخمر، لا يتركه بل يدخل إليه من باب الطاعة، فيأتي الشيطان إلى الإنسان لحظة الوضوء وينسيه هل غسل هذه اليد أو تلك، وهل أسبغ الوضوء أم لا؟ أو يأتي الشيطان إلى المؤمن لحظة الصلاة فينسيه عدد الركعات أو عدد السجدات، وهكذا يدخل الشيطان للمؤمن من ناحية الطاعة.
ومعنى قوله سبحانه: ﴿ واحذروا ﴾ أي احذروا أن يحتال الشيطان عليكم لأنه سيحاول أن يدخل لكم من كل مدخل، يدخل على المسرف على نفسه بالمعصية، وأشد أعمال الشيطان على المؤمنين هي أن يدخل عليهم من باب الطاعة. ولذلك قال الحق: ﴿ واحذروا ﴾ وكثيرا ما نجد الإنسان منا ينسى موضوعا ما، وحين يأتي إلى الصلاة فهو يتذكر هذا الموضوع. والشيطان لا يترك الإنسان في مثل هذه الحالة، فقد أقسم الشيطان فقال:
فبعزتك لأغوينهم أجمعين
[ص: 82]. وقال الحق سبحانه:
لأقعدن لهم صراطك المستقيم
[الأعراف: 16]. إنه أقسم أن يقف على الطريق المستقيم لا على الطريق المعوج. ومثال ذلك عندما يتصدق إنسان بصدقة قد يعلنها ويقول: لقد تصدقت أكثر من فلان. وهكذا يضيع منه الأجر. الشيطان يحاول - إذن - أن يدخل علينا من باب لا تفطن إليه وهو باب الطاعة. وأروي لكم هذه القصة حتى تعرفوا مدى تدخل الشيطان، وقد حدثت مع الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه. فقد جاء إليه من يسأله الفتوى في أمر غريب قال السائل: ضاعت مني نقودي، فقد دفنتها في مكان من الأرض، ونزل السيل فطمس مكان النقود وأزال الحجر الذي وضعته علامة على مكانها. فقال الإمام أبو حنيفة: اذهب الليلة بعد صلاة العشاء وقف أمام ربك إلى أن يطلع الفجر، وقل لي ماذا سوف يحدث. وعندما جاءت صلاة الفجر جاء الرجل متهللا إلى أبي حنيفة وقال: وجدت مالي. فسأله أبو حنيفة: كيف؟ قال الرجل: بينما أنا أقف للصلاة تصورت مكان وضع النقود، ومتى نزل السيل، وكيف سار، وهكذا قست المسافة وقدرتها إلى أن عرفت موقع النقود. فضحك الإمام وقال: والله لقد علمت أن الشيطان لن يدعك تتم ليلتك مع ربك. هكذا ترى كيف يدخل الشيطان من باب الطاعة. ولذلك قال الحق: ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين ﴾ [المائدة: 92]. أي فإن أعرضتم عما كلفتكم به فاعلموا أنكم بتوليكم وإعراضكم لن تضروا الرسول لأن الرسول ما كلف إلا أن يقوم بالبلاغ المبين، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم به. إن الحق يعلم أزلا أن بعضا من عباده قد يقول: إن هذا الحكم لم يرد في القرآن لذلك جاء بالأمر بطاعة الرسول. وهكذا صارت للرسول طاعة مستقلة، وأرادها الله حتى يرد مقدما على الذين يسألون عن نص فيه كل تفصيل. بينما نجد هذه التفاصيل في السنة النبوية الشريفة.