[التوبة: 43]. وهذا العفو لم يكن نتيجة لمخالفة حكم من أحكام السماء، ولكن هو عفو سمح لأن رسول الله أخذ بالاجتهاد البشرى في الأمور التي لم يكن فيها حكم الله، وهو قول الحق:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك
[التحريم: 1]. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد حرم أمورا على نفسه، ولم يحرمها على الناس، وهنا يوضح له الحق: لا تحرم على نفسك ما أحللت لك. إذن هذا أمر لمصلحة الرسول. وعندما جاء زيد بن حارثة ليخبر بين أن يكون مع رسول الله كعبد له، وأن يكون مع أهله، آثر زيد رسول الله، فكافأه صلى الله عليه وسلم بأن جعله في مقام الابن، وكان التبني معروفا عند العرب، ونادى الناس زيدا بزيد بن محمد، فلما أراد الله أن يبطل التبني قال:
ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله
[الأحزاب: 5]. وكلمة " أقسط " تعني أعدل، ومعناها أن القسط أيضا في دائرة العدل. وعندما يقال: فلان له القسط، أي له العدل. إذن فالقسط أولا لرسول الله، والأكثر قسطا هو حكم الله، فكأنك يا محمد قمت بالقسط عند البشر، ولكن الله يريد لك الأقسط. إذن فقوله الحق سبحانه:
وما ينطق عن الهوى
[النجم: 3]. هو قول لا يستدرك عليه من مخالف لمنهج الإسلام، فإذا ما قال مخالف لمنهج الإسلام: إن الله يصوب لمحمد، فكيف لا ينطق محمد عن الهوى؟. نقول: وهل تعرف معنى الهوى؟ إن الحكم بالهوى يعني أنه وجد حكما لله فيعدل الحكم لهواه، ولم يحدث ذلك من سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكل تصويب من الله لم يأت على لسان رجل آخر، إنما جاء على لسان رسول الله نفسه. وهذه هي منتهى الأمانة في البلاغ عن الله. والحق يقول عن بني إسرائيل: ﴿ كلما جآءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ﴾ إذن فهم فريقان: منهم من لا يقبل على الإيمان بالمنهج لهوى في نفسه فيكذب.
ومنهم من تمتلئ نفسه باللدد وشدة الخصومة على الرسول، ويخشى أن يحيا الرسول لإبلاغ قوم آخرين، فيحاول أن يقتل الرسول. والتكذيب هو أول نقطة في اللدد، ثم هناك من يترقى في اللدد ويخشى أن يصل البلاغ إلى قوم آخرين فيحاول أن يقتل الرسول. والتكذيب هو إنكار لقول أو فعل. أما القتل فهو إزالة لأصل الحياة. والذي يقتل هو الأكثر لددا. وتتجلى دقة القرآن حين يأتي الحق بصيغة الماضي، لفئة وصيغة المضارع لفئة أخرى: ﴿ فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ﴾ لأن التكذيب هو تأب من المكذب، أما القتل فهو تأب على وجود الرسول من الذين يكذبون. والأبشع هو القتل لأنه إزالة لكل أثر من آثار وجود المقتول. وجاء التكذيب في صيغة الماضي. وجاء في المسألة البشعة بصيغة المضارع. فالحدث حين يكون بشعا فهو يبرد بعد مرور فترة من الزمن. وهذا ما يجعل المجتمع يثور عندما تحدث جريمة بشعة، ولكن ما إن تمر عليها عشر سنوات ويصدر الحكم بقتل المجرم لا ينفعل الناس، بل منهم من يتعاطف مع المجرم. ولذلك يحذرنا الحق أن ننسخ من الأذهان صورة قتلهم للرسل، بل يجب أن نستحضر بشاعته دائما فلا نعطف على الذين قتلوا الرسل، وقد قال علماء العربية: إن التعبير بالفعل المضارع يكون لاستحضار صورة الفعل. وساعة يأمر القاضي العادل بالقصاص من إنسان قتل إنسانا آخر، فهو لا يجعل القتل حدثا منسيا لأنه ماض، بل يستحضره في ذهنه وكأن دمه ما زال ينزف ومكان الطعنة واضحا لأنه لا يأخذ شيئا مستورا بالماضي، بل يأخذ شيئا واقعا في الحال. وكأن الحق يأمرنا باستحضار صورة ما حدث أمامنا. ومثال آخر لاستحضار الصورة: نجد الحق يقول لنا:
ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء
[الحج: 63]. إنه أنزل الماء، لكنه يتبع ذلك:
فتصبح الأرض مخضرة
[الحج: 63]. هو سبحانه يستخدم الفعل المضارع لتظل الصورة في أذهاننا مستحضرة في الحال وفي الاستقبال. والحق يقول: ﴿ فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ﴾ وكيف يقول الحق: إنهم يقتلون الرسل، والرسل لا تقتل، وأنه سبحانه يريد أن يجعل لهم من العمر ما يمكنهم من تمام البلاغ عنه، إن الأنبياء فقط هم الذين يجوز عليهم القتل؟ ونقول: إن الأنبياء رسل أيضا بدليل أن الحق قال: