تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة

[البقرة: 280]. فإن أردت الوجود فقط من غير شيء جديد طارئ عليه، فالفعل يكون تاما لا يحتاج إلى خبر. وإن أردت الوجود مع أي شيء آخر فهو الفعل الناقص الذي تكمله بخبر. مثل قوله تعالى: ﴿ وحسبوا ألا تكون فتنة ﴾ أي ألا توجد فتنة، فهي لا تحتاج إلى خبر. وكان مثل بني إسرائيل كمثل التلميذ الذي يذهب إلى المدرسة ولا يعلم أن فيها اختبارا آخر العام فيمضي الوقت في تحصيل ولا جد ولا اجتهاد بل في لهو ولعب، وكان هذا حسبانا خاطئا لأن المنهج لم يأت اعتباطا، ولكنه جاء كنظام حركة للحياة ليعمله المؤمن. وكان المفروض أن يستقبلوا المنهج على حسب تعاليم المنهج. ومن العجيب أنهم ظنوا ولم يحسبوا بالحساب على الرغم من أنهم أهل علم بالحساب، فهم حسبوا - بكسر السين - وما حسبوا - بفتح السين - وكان المفروض أن يقوموا بالحساب، فالحساب هو الذي يضمن صحة المسائل. وكل شيء عند الله يكون بالحساب، حساب للعبد وحساب على العبد. ﴿ وحسبوا ألا تكون فتنة ﴾ أي ظنوا أنها ليست اختبارا. وظنوا أن الرسالات والمناهج هي مسألة لا اختبار لهم فيها، فلما عرفوا تعاموا عن ذلك وصموا آذانهم عنه. ونعلم أن وسائل الإدراك في النفس البشرية هي السمع والأبصار والأفئدة:

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون

[النحل: 78]. إذن فوسائل الإدراك: سمع، وبصر، وفؤاد. وما تراه العين هو تجربة الإنسان بنفسه. أما ما يسمعه الإنسان فهو تجربة كل غير له. وبذلك يكون السمع اكثر اتساعا من العين. والسمع هو وسيلة الإدراك التي توجد أولا في الإنسان حين يولد. ونجد المولود لا يهتز عندما يقترب شيء من عينيه لأنه لا يرى بدقة وقد يستمر ذلك لمدة عشرة أيام ومن بعد ذلك يبدأ في الرؤية. لكن الطفل إذا سمع صوتا بجانب أذنيه ينفعل، كأن حاسة السمع هي التي توجد أولا، ولذلك يأتي لنا الحق بذكر السمع أولا ومن بعد ذلك الأبصار ثم الأفئدة. " فعموا وصموا " وهو سبحانه يسألهم أولا عن التجربة الشخصية فيهم. ولم يسألهم عن الذي سمعوه عن غيرهم فقط، " فعموا " أي لم يروا حتى الأمور المتعلقة بهم، ولم ينظروا في آيات الكون ولم يسمعوا البشير ولا النذير ولا المنهج من الله ولا اتفقوا على تنفيذه. وسبحانه يعاتبهم أولا على ما يتعلق برؤياهم هم، فالأذن تسمع من الغير لذلك أخذ عليهم أولا أنهم لم يستعملوا عيونهم. وحتى لو افترضنا أنهم لم يروا آيات الكون بأنفسهم فما بالهم لا ينظرون وقد جاءهم الرسول ودعاهم لينظروا في كون الله وأن يعتبروا. فإذا كانوا أولا في غفلة فلم يروا، فلماذا لم ينتبهوا ويسمعوا سماع إذعان وانقياد عندما جاءهم البشير والنذير لينبههم لذلك " فعموا وصموا " منطقية جدا هنا.

وبعد ذلك قبل الله منهم، وأنجاهم من فرعون وفلق لهم البحر، وعبروا، ولكنهم بمجرد خروجهم من البحر، ومروا على قوم يعكفون ويلزمون ويقبلون على أصنام لهم يعبدونها. قالوا لموسى: نريد إلها كما لهم آلهة. وأمرهم موسى أن يتوبوا وقبل الله توبتهم. مع كثرة ما ارتكبوا من ذنوب. ومن بعد ذلك يتوب الله عليهم. ﴿ ثم تاب الله عليهم ﴾. والتوبة هي فتح مجال للنفس السوية لتنطلق في الخير من جديد، فلو لم يتب الله على من أذنب فماذا يكون موقف المذنب بلا توبة؟ إنه يتمادى ويحس أنه ذاهب في طريق الشر بلا عودة. وحين يقبل الحق توبة المذنب، فذلك معناه أنه سبحانه يريد أن يحمي المجتمع من شره. والتوبة مراحل: الأولى: حين يشرع الله التوبة، والثانية: أن يتوب العبيد، والثالثة: هي قبول الله للتوبة. وهذا ما جاء به الحق:

ثم تاب عليهم ليتوبوا

[التوبة: 118]. ماذا تعني توبة الله عليهم؟ سبحانه لن يتوب عليهم توبة القبول إلا بعد أن يتوبوا. إذن فتوبة الله عليهم الأولى هي التشريع لهم بالتوبة، ثم توبتهم، ثم قبول الحق للتوبة. لكن هؤلاء عموا وصموا، وعلى الرغم من ذلك لطف الله بهم. فماذا حدث منهم بعد ذلك؟ عموا وصموا مرة أخرى ﴿ ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون ﴾. و " عموا " مأخوذة من الفعل " عمى " ، ومثلها مثل " أكلوا " و " شربوا " و " حضروا " ، فأين الفاعل؟ الفاعل هو " واو الجماعة ". وابن مالك قعد لهذه المسألة، فساعة تسند الفعل إلى اثنين أو إلى جماعة، فلا بد أن تجرد الفعل من علامة التثنية أو الجمع، فلا تقول: " قاما زيد وعمرو " ولكن تقول: " قام زيد وعمرو " ، ولا نقول: " قاموا التلاميذ " بل نقول: " قام التلاميذ " ، لأن مدلول " الواو " هو مدلول " التلاميذ " قال ابن مالك:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤٢٦