تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" وحين سئل رسول الله عن القوم الذين يحبهم الله ويحبون الله وفيهم هذه الصفات أشار بيده مرة إلى أبي موسى الأشعري، وقال صلى الله عليه وسلم: " هم قوم من هذا ".

وعندما نزل قوله تعالى:

وآخرين منهم لما يلحقوا بهم

[الجمعة: 3]

" سأل أبو هريرة - رضي الله عنه - رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هم يا رسول الله؟. فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال: " لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجل من هؤلاء ".

وقد حدثت الردة الأولى في اليمن، وكانت في قوم أبي موسى الأشعري، وكتب رسول الله إلى معاذ بن جبل - كما أوضحنا - وبعد ذلك تطوع فيروز الديلمي ودخل على من كان يدعي النبوة ذي الخمار أو ذي الحمار، وقتله. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتها بالأمر.

ولكن خبر القتل جاء بعد أن انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى. وكانت تلك من علامات النبوة. وحدث - أيضا - في زمانه صلى الله عليه وسلم أن ادعى مسيلمة الكذاب أنه نبي. وكتب مسيلمة إلى رسول الله كتابا، يقول: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. ولم يقدر على نزع صفة النبوة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء في كتاب مسيلمة: " أما بعد. فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك " كأنه قد فهم أن المسألة بالنسبة لرسول الله تحتاج إلى قسمة، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات فيها هبات النبوة:

" من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين "

ولم يسمع مسيلمة كلام رسول الله، وجهزت الحملة لترسل إليه لتأديبه. وجاء عهد أبي بكر - رضي الله عنه -، وكانت المعركة على أشدها. وجاء " وحشي " الذي قتل حمزة - رضي الله عنه - في موقعة أحد. وأراد أن يكفر عن سيئاته فذهب وقتل مسيلمة. ولذلك كان يقول كلمته المشهورة: أنا قتلت في الجاهلية خير الناس - يقصد حمزة - وقتلت في الإسلام شر الناس - يقصد مسيلمة - وانتهى أمر مسيلمة. وجاء إنسان ثالث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه " طليحة بن خويلد " من بني أسد وادعى النبوة، وكلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذهب إليه وكان " خالد بن الوليد " وساعة علم الرجل أن خالدا هو الذي جاء لقتاله لاذ بالفرار، ولكنه من بعد ذلك أسلم وحسن إسلامه. ونلاحظ أننا ننطق " الردة " بكسر الراء، وصفا لتلك الأمور التي حدثت وقوبلت هذه المقابلة. ولا نسميها " رد " فتح الراء، لأن الرد - بفتح الراء - يكون عودة إلى حق، أما الردة - بكسرة الراء - فتكون إلى باطل، مثال ذلك قوله سبحانه وتعالى:

فردوه إلى الله والرسول

[النساء: 59] أما الذي يرتد فهو يرتد إلى باطل. ومن العجيب أن كلمة " الردة " التي جعلها الإسلام علامة على الانتقال من الإيمان إلى الكفر يستخدمها أعداء الإسلام الذين لا يؤمنون بأديان ما، فعندما يترك الشيوعية أحد أتباعها يقولون: لقد حدثت ردة. وكان من الواجب لو أنهم أصحاب مبادئ أصيلة أن يختاروا لفظا آخر لكن لا يوجد في اللغة لفظ يعبر عن الرجوع إلى الباطل إلا كلمة " ردة " وكذلك كلمة " منبر " لا توجد - أيضا - إلا في الإسلام، وهو موقف الواعظ من المصلين يوم الجمعة.

وعندما يأتون إلى تصنيف جماعة متطرفة إلى اليسار فهم يقولون: " منبر اليسار " ونقول: لماذا تأخذون هذه الكلمة من عندنا؟. ومثال آخر عندما يكتب كاتب: هذه الراقصة تتعبد في محراب الفن. ونقول: لماذا تستخدم كلمة " محراب "؟. عليك أن تبحث عن كلمة أخرى. وكل ذلك يدل على أن كلمات الإيمان هي الكلمات المعبرة ولذلك يذهبون إليها. ويؤخذ في ظاهر الأمر على الإسلام أن من يرتد يقتل. ونقول: أيظن أحد أن هذه ضد الإسلام؟ لا إنها لصالح الإسلام لأن الإنسان إذا علم أنه عندما يقبل على الإسلام فهو يقبل على الدين الكامل لأن من يخرج عليه يهدر دمه ويقتل. وعلى من يفكر في الدخول إلى الإسلام أن يحتاط لحياته. إذن فالإسلام لا يسهل لأحد الدخول فيه، ولكنه يصعب عملية الدخول: وينبه كل فرد إلى ضرورة الانتباه قبل الدخول في الإسلام لأنه دخول إلى دين كامل وليس لهوا أو لعبا. إن على من يرغب في الدخول في الإسلام أن يفكر جيدا وأن ينتهي إلى الحق لأن حياته ستكون ثمن الرجوع عن الإسلام وهذا دليل على جدية هذا الدين وعدم السماح بالعبث في عمليات الدخول فيه. وحين يصعب الإسلام عملية الدخول فيه إنما يعطي فرصة الاختيار ليعلم من يختار الدين الإسلامي أن يعي أن الرجوع عن الإسلام ثمنه الحياة. وساعة يطلب دين أن يفكر الإنسان جيدا قبل أن يدخل فيه فهل في ذلك خداع أو نصيحة؟ إنها النصيحة وهي عملية لصالح الإسلام، وهي أمر علني ليعلم كل داخل في الإسلام أن هذا هو الشرط. ولو أن الإسلام يريد تسهيل المسألة لقال: تعال إلى الإسلام واخرج متى تريد. لكن الدين الحق لا يخدع أحدا. وسبحانه يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٨٥