ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة
[الأنفال: 42] وتكلمنا من قبل عن الردات التي حدثت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كلمة " سوف " التي جاءت في قوله: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ تدل على الامتدادية. وقد حدثت ردة في عهد أبي بكر - رضي الله عنه - وظهر سبعة ادعوا النبوة، مثال ذلك: " بنو فزارة " قوم عيينة بن حصن ارتدوا وأرسل إليهم أبو بكر - رضي الله عنه - من حاربهم. وكذلك قوم غطفان ارتدوا. وكذلك قوم قرة بن هبيدة بن سلمة، وكذلك بنو سليم. قوم الفجاءة بن عبد ياليل، فأرسل لهم أبو بكر من يؤدبهم. وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض من بني تميم الذين ادعت فيهم النبوة سجاح بنت المنذر والتي تزوجت مسيلمة. وكذلك " كندة " قوم الأشعث بن قيس، وكذلك قوم الحطم بن ضبيعة وهم بنو بكر بن وائل في البحرين.
وقضى عليهم سيدنا أبو بكر مما جعل كثيرا من القوم يقولون: إن القوم الذين يحبهم الله ويحبون الله وفيهم كل تلك الأوصاف هم أبو بكر ومن معه. ولكن أيمنع ذلك أن كل جماعة سيكون فيها مثل أبي بكر - رضي الله عنه -؟ لا. ومثال ذلك علي بن أبي طالب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر:
" عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كان علي رضي الله عنه تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر، وكان به رمد فقال: أنا اتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأعطين الراية - أو ليأخذن - غدا رجل يحبه الله ورسوله، أو قال: يحب الله ورسوله. يفتح الله عليه. فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا هذا علي، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح الله عليه ".
وفي عهد سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم تحدث إلا ردة واحدة، جاءت من الغساسنة بقيادة جبلة بن الأيهم وهم من الشام وكانوا موالين للروم، وكان جبلة هو رئيسهم وأسلم وجاء ليطوف بالبيت الحرام بهيلمان كزعيم للغساسنة. وكان لهم العظمة في الجياد والملابس. وكان يرتدي رداء طويلا فوطئ أحد الناس رداءه فسقط، فلطمه جبلة، وأبلغ الرجل عمر بن الخطاب. وقال عمر بن الخطاب: إنه القصاص. وقال سيد الغساسنة: إني أشتري هذه اللطمة بألف دينار ولم يقبل الرجل فعرض سيد الغساسنة ألفين من الدنانير فرفض الرجل، فزادها إلى عشرة آلاف ولم يقبل الرجل. وقال جبلة لعمر: أنظرني حتى أفكر في المسألة. فلما أنظره عمر، هرب الرجل إلى الشام وتنصر. هكذا يتضح لنا آفاق كلمة " سوف " وأي زمن تأخذ، إن لها امتدادات حتى زماننا. إن الردة في زماننا جاءت من فارس ممثلة في البهائية والبابية، وهدف المرتد يكون جاه الدنيا، إن كان يريد الحكم، ووسيلة المرتد تيسير التكليف لمن يتبعه في الارتداد. ومن يدعي لنفسه النبوة والقدرة على الإتيان بتشريع جديد إنما يطلب لنفسه جاه الدنيا، والذي يتبع ذلك المدعي للنبوة إنما يقصد لنفسه تيسير التكليف. ولماذا تيسير التكليف؟ لأن الإنسان مؤمن بفطرته ودليل ذلك أننا إذا واجهنا إنسانا غير مؤمن، وقلنا له: أنت قليل الدين. يغضب ويثور لأنه لا يتصور أن ينزع أحد منه أنه متدين بشكل ما. ونرى إنسانا قد يسرف على نفسه كثيرا لكنه ساعة يسمع إنسانا آخر يسب الدين يثور ويغضب ويتحول إلى مدافع عن دين الله، وتلك هي الفطرة الإيمانية التي فطر الله كل الناس عليها.
والذي يجعل الدين لأمرا شاقا على النفس البشرية ليس فطرة الدين، ولكنه تكليف التدين لأنه أمر يدخل في الاختيار. وقد جعل الحق التكليفات الإيمانية كلها في مناط الاختيار البشري، ولم يشأ أن تكون أمرا قهريا. ولو شاء سبحانه أن يجعل كل الناس مؤمنين لما قدر أحد على الكفر: