وحين ينفعل المؤمن للمواقف المختلفة فهو يميز ما يحتاج إليه كل موقف ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ﴾ ويقال في اللغة: " ذليل لفلان " فلماذا - إذا - يقول الحق هنا: ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ ، و " على " تفيد العلو. والذلة تفيد المكانة المنخفضة، فكيف يأتي هذا التعبير؟ لقد جاء هذا القول على هذا الشكل لحكمة هي: أن المؤمن ما دام يحب الله ويحبه الله. وساعة يكون في ذلة لأخيه المؤمن فهذا يرفع من قدره. وهي ليست ذلة بالمعنى المتعارف عليه، ولكنه لين جانب وعطف ورحمة. إذن فقوله الحق: ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ يعني أن المؤمنين يعطفون على غيرهم من المؤمنين حتى يبدو هذا العطف وكأنه ذلة. وبعض العلماء يقول: إن المادة " ذال " و " لام " تدل على معنيين متقابلين، مثال ذلك قوله الحق:
وذللناها لهم
[يس: 72] أي جعلناها خاضعة لتصرفهم. وهذا التذليل ليس بقهر من الإنسان للأنعام ولكنه بتسخير من الله. وهي ميسرة لخدمة الإنسان. ومثال آخر. قوله الحق:
فاسلكي سبل ربك ذللا
[النحل: 69] أي متطامنة مهيأة. إذن فهذه ذلة اللين. وهناك " ذل " - بضم الذال - وهو ضد العز. وهناك " ذل " - بكسر الذال - وهو اللين. إذن فالذل بكسر الذال هو ضد الصعوبة أي اللين. والذل - بضم الذال - هو ضد العز، فإذا اردنا ذلة اللين فذل المؤمن للمؤمن من الذل، وإن أردنا الذلة التي هي ضد العز، فهي من الذل. وعندما يكون المؤمن على ذلة للمؤمن. فهي ذلة اللين والعطف. وعندما يريد الحق الشيء ليتدانى للمؤمن ولا يتعبه، فهو يقول:
قطوفها دانية
[الحاقة: 23] وفي آية أخرى يقول سبحانه:
وذللت قطوفها تذليلا
[الإنسان: 14] أي دليت عناقيدها. فالفاكهة تنزل إلى المكان الذي يوجد فيه المؤمن. وإن وقف المؤمن لطال بيده أن يقطف الثمار. وإن اضطجع لاستطاع أن ينال أيضا من الثمار لأنها تتدانى له. وإن نام المؤمن لتدانى قطاف الثمار إلى مكانه وبذلك يستطيع أن يأكل منها في أي وقت وعلى أي وضع. وهنا يأتي الحق بالقول الحكيم: ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ أي أن ذلة المؤمن لأخيه المؤمن ترفع منزلته. وبها يكون المؤمن أهلا لأن ترفع منزلته لأنه مصطفى بأن الله يحبه وأنه يحب الله، ولا توجد رفعة أكثر من هذه رفعة. ولذلك نجد القول المأثور: من تواضع لله رفعه. أي من تواضع وفي باله الله فإن الله يرفعه. ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ وهذا هو الوصف الثالث للمؤمنين في تلك الآية بعد قوله الحق: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين ﴾. إن المؤمن عزيز على الكافرين بأنه لا يغلب، وما دام هو يعرف ذلك فهو ينضم إلى الجهاد في سبيل الله.
﴿ يجاهدون في سبيل الله ﴾ وكلمة " الجهاد في سبيل الله " تخصص لونا من الجهاد، فالإنسان قد يجاهد حمية أو دفاعا عن جنسيته أو أي انتماء آخر، وكل هذه الانتماءات في عرف الدين لا قيمة لها إلا إذا نبعت من الانتماء إلى منهج الله، لتكون كلمة الله هي العليا. وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل القتال:
" فيما جاء عن أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ".
وما دام المؤمن محبوبا من الله ويحب الله وذليلا على المؤمنين وعزيزا على الكافرين، ما دام الأمر كذلك فعندما يتولى مؤمن أمر قيادة غيره من المؤمنين فلا أحد منهم يأنف أن يكون تحت قيادته. وبذلك يخرج المؤمن عن دائرة الاستعلاء والاستكبار لأنه يجاهد في سبيل الله. ولو جاءه إنسان ليلومه على ذلك فهو لا يسمح له، وكأنه سبحانه يوضح: تنبهوا جيدا إلى أن القوم الذين يحبهم الله ويحبون الله والذين هم أذلة على المؤمنين وأعزة على الكافرين ويجاهدون في سبيل الله فلا نظن أنهم بمنأى عن سخرية الساخرين، وهزؤ المستهزئين، ولوم اللائمين ليردوهم عن هذه العملية. ولذلك يقول الحق: ﴿ ولا يخافون لومة لائم ﴾ وقد وضح ذلك على مر تاريخ الإسلام وجاء الحق بقوم يحبهم ويحبونه وهم أذلة على المؤمنين وأعزة على الكافرين وجاهدوا في سبيل الله وما خافوا لومة لائم. وساعة نستقرئ هذه الآية نجد أن " سوف " ابتدأ مدلولها الأول في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.