" قتل الليلة الأسود العنسي ".
وبعد ذلك يأتي الخبر في آخر الشهر أن مدعي النبوة قد قتل. وتلك من إعجازات النبوة. إذن فقد تعرض المؤمنون على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم للهزة في العقيدة بحكاية ذي الخمار أو ذي الحمار. وكانت قصة ذي الخمار كالمصل الواقي الذي يربي المناعة، وأخبرهم الله بها أولا: ﴿ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾. وذلك ليعطي الحق سبحانه وتعالى المؤمنين مناعة إيمانية وكأنه يقول للمؤمنين: لا تظنوا أنكم لن تتعرضوا إلى هزات عقدية دينية بل ستتعرضون. وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: قد يجوز أن يفهم الناس أني وأنا حي أقوم على منهج الله في الأرض فإذا أنا مت ربما ارتدوا عن الدين. ورسول الله عندما يبلغ ذلك للمؤمنين عن الله - سبحانه - إنما كان ذلك بقصد تربية المناعة. فلو فوجئ المسلمون بالردة ولم يكن الله قد خبرهم بها لما كان عندهم احتياط مناعي. والاحتياط المناعي هو أول عملية في الوقاية. ونعلم أن العلم المعاصر استطاع فصل الميكروب أو الفيروس المسبب لمرض وبائي، ويقوم العلماء بإضعاف هذا الميكروب أو الفيروس، ثم يوضع قليل من هذا الميكروب أو الفيروس بعد إضعافه في الجسم البشري، فتتحرك في الجسم أجهزة الوقاية والحماية لتقاتل هذا الميكروب أو الفيروس وتنتصر عليه، وبذلك تمتلك قوى الوقاية والحماية داخل الجسم القدرة على مقاومة هذا المرض، وهكذا أراد الحق بهذا القول الكريم: ﴿ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾.
إذن فحين يوجد الارتداد، لا يفاجأ المسلمون بهذا الارتداد، ويثقون تماما أنه بمجرد مجيئ الارتداد فإن وعد الله الآخر يجيء: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ فلا فزع عند المؤمنين ساعة يحدث الارتداد ولا زلزلة في النفوس. وساعة يأتي الارتداد يقول المؤمن: إن الذي صدق في أنه يحدث الارتداد، سيصدق في قوله: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾. وإذا رأيت " السين " تسبق قولا فإن هذا يعني أن الزمن الذي يفصل بين الحدث والحدث قريب وقليل مثل قوله الحق:
سيقول السفهآء من الناس
[البقرة: 142] أما عندما تقرأ " سوف " فأعلم أن الزمن الذي يفصل بين الحدث والحدث متسع وبعيد. ولذلك نحن نرى أن الردة قد امتدت في عهد أبي بكر - رضي الله عنه - وفي عهد عمر - رضي الله عنه -. وما هي ذي مواصفات القوم الذين يأتي بهم الله في قوله: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ﴾؟ إنها مواصفات ست: يحبهم الله، ويحبون الله، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم. وكيف يكون الإنسان المؤمن ذليلا وعزيزا في آن واحد؟ لأن الحق لا يريد أن يطبعنا على لون واحد من الانفعال، ولكنه يريد لنا أن ننفعل تبعا للموقف. فعندما يحتاج الموقف إلى أن يكون المؤمن عطوفا فالمؤمن يواجه الموقف بالعاطفة. وعندما يحتاج الموقف إلى الشدة فالمؤمن يواجه الموقف بالشدة. وإن احتاج الموقف إلى الكرم، فالمؤمن يقابل الموقف بالكرم. فالمسلم - إذن - ينفعل انفعالا مناسبا لكل موقف، وليس مطبوعا على انفعال واحد. ولو انطبع المؤمن على موقف ذلة دائمة فقد يأتي لمواجهة موقف يتطلب العزة فلا يجدها ولو طبع المؤمن على عزة دائمة فقد يأتي لمواجهة موقف يتطلب الذلة فلا يجدها لذلك جعل الحق قلب المؤمن لينا قادرا على المواجهة كل موقف بما يناسبه. والمؤمن عزيز أمام عدوه لا يغلب، ويجابهه بقوة. والمؤمن يخفض جناح الذل من الرحمة لوالديه امتثالا لأمر الحق سبحانه:
واخفض لهما جناح الذل من الرحمة
[الإسراء: 24] وهل إذا خفض المؤمن جناح الذل لوالديه. أيخدش ذلك عزته؟ لا. بل ذلك أمر يرفع من عزة الإنسان. والحق يريد المؤمن أن يكون غير مطبوع على لون واحد من الانفعال، ولكن لكل موقف انفعاله.