إن أي اسم من هذه الصفات على إطلاقه لا ينصرف إلا لله، فإن قلت: " الغني " على إطلاقه فهو اسم لله، وإن قلت: " الرحيم " على إطلاقه فهو اسم لله. فإذا أطلق اللفظ من أسماء الله على اطلاقه فهو لله، واسم " المهيمن " يطلق هنا على القرآن وهو اسم من أسماء الله. ومن معنى " مهيمن " أنه مسيطر. ومن أمثلة الحياة أننا نرى صاحب مصنع يطلق يد مدير في شئون العمل، وهذا يعني أنه مؤمن ومسيطر وأمين، ولا بد أن متنبه، أي رقيب، وهو شهيد، إذن فالذين فسروا كلمة " مهيمن " على أنه مؤمن قول صحيح. والذين فسروا كلمة: " مهيمن " على أنه " مؤتمن " قول صحيح. والذين فسروا كلمة: " مهيمن " بأنه " رقيب " قول صحيح. والذين فسروا كلمة: " مهيمن " بأنه " شهيد " قول صحيح. والذين فسروا كلمة: " مهيمن " بأنه قائم على كل أمر قول صحيح. وإذا رأيت اختلافات في تفسير اسم واحد من أسمائه - سبحانه - فلتعلم أن الحق يصدق عليه كل ذلك، وباللازم لا يكون " رقيبا " إلا إذا كان " شهيدا " ، ولا يكون شهيدا إلا إذا كان قائما على الأمر، ولا يكون كل ذلك إلا إذا كان مؤمنا ومؤتمنا. إذن ف " مهيمن " هو قيم وشاهد ورقيب. ومادام القرآن قد جاء مصدقا لما بين يديه من الكتاب فعلى أي مجال يهيمن؟ نحن نعرف مدلول الكتاب بأنه نزل من عند الله، فإن بقي الكتاب الذي نزل من عند الله كما هو فالقرآن مصدق لما به، أما إن لعبت في ذلك المنهج أهواء البشر فالقرآن مهيمن لأنه يصحح المنهج وينقيه من أهواء البشر. ﴿ فاحكم بينهم بمآ أنزل الله ﴾. و " احكم " مأخوذة من مادة " حكم " ، و " الحكمة " هي قطعة الحديد التي توضع في فم الحصان ونربطها باللجام حتى نتحكم في الحصان. والحكمة هي ألا تدع المحكوم يفلت من إرادة الحاكم. وحين يقول الحق: ﴿ فاحكم بينهم بمآ أنزل الله ﴾ فهل يحدث ذلك أيضا مع غير المؤمنين؟ نعم. فإذا ما جاء إليك يا رسول الله أناس غير مؤمنين وطلبوا أن تحكم بينهم فاحكم بما أنزل الله.
ولذلك قال الحق:
فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم
[المائدة: 42] لكن لماذا جاءوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم برغم عدم إيمانهم به؟ جاءوا إلى الرسول ليحكم بينهم لأنهم ألفوا أن يبيحوا ما حرم الله بشهوات الدنيا وأخذوا لأنفسهم سلطة زمنية، وماداموا قد أخذوا لأنفسهم سلطة زمنية أنستهم حكم الله. وأرادوا - على سبيل المثال - أن يخرجوا على حكم الرجم وتخفيفه، ولذلك ذهبوا إلى النبي، فإن حكم هو بالتخفيف أخذوا بالحكم المخفف، وإذا لم يحكم بالتخفيف فهم لن يأخذوا الحكم، هم ذهبوا إليه صلى الله عليه وسلم بقصد التيسير وقالوا له: أنت تعلم أن لنا سلطانا وأن لنا نفوذا ونحن نريد أن تحكم لنا لأنك عندما تحكم لنا سنؤمن بك وبعد ذلك تأتي إليك باقي جماعتنا ليؤمنوا بك ويتبعوك. لقد رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك تطبيقا لقول الحق: ﴿ فاحكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم ﴾ فإذا كان عندهم كتاب التوراة مصونا من التحريف، فالرسول يشير عليهم بالحكم الموجود في التوراة، ولذلك عندما استدعى صلى الله عليه وسلم أعلم علمائهم بالتوراة حاول بعضهم أن يضع يده على السطور التي بها الحكم فالحكم بما أنزل الله يكون من التوراة إن لم يبدل، أما إذا كان الحكم قد بدله الناس فالحكم من القرآن لأن القرآن هو المهيمن. ﴿ فاحكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم ﴾ لأنهم بهذه الأهواء يريدون أن ييسروا على أنفسهم ليستبقوا لأنفسهم السلطة الزمنية، ووصفهم الحق:
اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا
[التوبة: 9] هم - إذن - يريدون أن يستبدلوا بآيات الله مصلحتهم في الحكم. ويقول الحق: ﴿ ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ﴾ ، وإن افترضنا أن بعضا من التوراة لم يحرف، وبه حكم أراد الإسلام أن يبدله، فأي أمر يتبع؟ إن الاتباع هنا يكون للقرآن لأنه هو المهيمن، فسبحانه أراد بالقرآن أن يصحح ويعدل ويغير. إن مناهج الأديان في العقائد ثابتة لا تغيير فيها، وأما ما يتصل بالأحكام التي تحكم أفعال الإنسان فالله سبحانه وتعالى ينزل حكما لقوم يلائمهم ثم ينزل حكما آخر يلائم قوما آخرين. ولذلك نجد أن سيدنا عيسى قال: