أي أنه صلى الله عليه وسلم ترك للأمة إدارة شئونها التجريبية، ولم يكن ذلك القول تركا للحبل على الغارب في شئون المنهج، فقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفيصل فيما تتدخل فيه السماء، وفيما تتركه السماء للبشر، وأعمار الناس - كما نعلم - تختلف، فنحن نقول للإنسان طفولة، وله فتوة، وشباب، وله اكتمال رجولة ونضج لذلك يعطي الحق من الأحكام ما يناسب هذا المجتمع يعطي أولا الاحتياج المادي للطفولة، وعند عصر الفتوة يعطيه المسائل الإدراكية، وعندما يصل إلى الرشد يعطيه زمام الحركة في الكون على ضوء المنهج، فكانت رسالة الإسلام على ميعاد مع رشد الزمان، فأمن الحق سبحانه أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، أن يقفوا ليحموا حركة الإنسان من أهواء البشر. وكانت الرسل تأتي من عند الله بالبلاغ للمجتمعات البشرية السابقة على الإسلام. وكانت السماء هي التي تؤدب. ولكن عندما اكتمل رشد الإنسانية، رأينا الرسول يبلغ، ويوكله الله في أن يؤدب من يخرج على منهج الله في حركة الحياة، لأنه صلى الله عليه وسلم أصبح مأمونا على ذلك. وإذا نظرت إلى الكون قديما لوجدته كونا انعزاليا، فكل جماعة في مكان لا تعلم شيئا عن الجماعة الأخرى، وكل جماعة لها نظامها وحركتها وعيشها وداءاتها.
والإسلام جاء على اجتماع للبشر جميعا. فقد علم الله أزلا أن الإسلام سيجيء على ميعاد مع إلغاء فوارق الزمن والمسافات، وأن الداء يصبح في الشرق فلا يبيت إلا وهو في الغرب، وكذلك ما يحدث في الغرب لا يبيت إلا وهو في الشرق. إذن فقد اتحدت الداءات ولا بد أن يكون الدواء واحدا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جامعا للزمان وجامعا للمكان ومانعا أن يجيء رسول آخر بعده، وأن العالم قد وصل إلى قمة نضجه. فإذا ما جاء الإنسان ليعلم منهج الله ب " افعل " ولا " تفعل " ، وجد أن المنهج محروس بالمنهج، بمعنى أن الكتب السابقة على القرآن فيها " افعل " و " لاتفعل " ، والقرآن أيضا فيه " افعل " و " لا تفعل " لكن المنهج السابق على القرآن كان مطلوبا من المنزل إليهم أن يحافظوا عليه، ومادام قد طلب الحق منهم ذلك فكان من الواجب أن يمتثلوا لطاعته لكنهم تركوا المنهج. فكل منهج عرضة لأن يطاع وعرضة لأن يعصى، ولم يحفظوا الكتب وحدث فيها التحريف بمراحله المختلفة والتي سبق أن ذكرناها وهي النسيان وهو متمثل في قوله الحق:
ونسوا حظا مما ذكروا به
[المائدة: 13] وما لم ينسوه كتموا بعضه، فقال الحق فيهم:
إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله
[البقرة: 159] وما لم يكتموه حرفوه ولووا ألسنتهم به وقال الحق:
وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب
[آل عمران: 78] ولم يقتصروا على ذلك بل وضعوا من عندهم أشياء وقالوا إنها من عند الله. وكان أمر حفظ كتب المنهج السابقة موكولا لهم وبذلك قال الحق عنهم:
بما استحفظوا من كتاب الله
[المائدة: 44] أي أن الحق طلب منهم أن يحافظوا على المنهج، وكان يجب أن يطيعوه ولكن أغلبهم آثر العصيان. فلما عصى البشر المنهج، لم يأمن الله البشر من بعد ذلك على أن يستحفظهم على القرآن، وكأنه قال: لقد جربتم فلم تحافظوا على المنهج، ولأن القرآن منهج خاتم لن يأتي له تعديل من بعد ذلك فسأتولى أنا أمر حفظه:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9] ومادام الحق هو الذي يحفظ المنهج فالقرآن مهيمن على كل الكتب لأنه سبحانه وتعالى قد ضمن عدم التحريف فيه. إذن فالكتاب المهيمن هو القرآن، ومادام القرآن هو المهيمن فهو حقيقة ما يسمى بالكتاب. ودليل العهد هو قول الحق: ﴿ وأنزلنآ إليك الكتاب ﴾ أما قوله: ﴿ مصدقا لما بين يديه من الكتاب ﴾ فالمقصود به الزبور والتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى، ثم جاء القرآن مهيمنا على كل هذه الكتب. وساعة نجد وصفا وصف به غير الله وسمى به الله نفسه فما الموقف؟ نعرف أن لله صفات بلغت في تخصصها به مقامها الأعلى بالله، مثل قولنا: " الله سميع " والإنسان يسمع، و " الله غني " ويقال: " فلان غني " فإذا سمي الحق باسم وجد في الخلق، فليس من المتصور أن يكون هذا صفة مشتركة بين العبد والرب، ولكننا نأخذ ذلك في ضوء: ﴿ ليس كمثله شيء ﴾.