تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم

[آل عمران: 50] أي أن هناك أشياء كانت محرمة في دين اليهود. وجاء عيسى عليه السلام ليحلل بعضا من هذه المحرمات، وكان التحريم مناسبا بني إسرائيل في بعض الأمور، وجاء المسيح عيسى ابن مريم ليحلل لهم بعضا من المحرمات، وكان تحريم بعض الأمور لبني إسرائيل بهدف التأديب:

فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم

[النساء: 160] إذن فقد يكون تحريم الشيء بسبب الضرر الناشئ منه، أو بهدف التأديب لأن الإنسان أحل لنفسه ما حرمه الله عليه.

﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ﴾ والشرعة هي الطريق في الماء. والمنهج هو الطريق في اليابسة. ومقومات حياة الإنسان هي من الماء ومن الغذاء الذي يخرج من الأرض، فكذلك جعل الحق سبحانه وتعالى في القيم هذين الاثنين، الشرعة والمنهاج، ومادام سبحانه قد جعل لكل منا شرعة ومنهاجا، فلماذا قال في موضع آخر من القرآن:

شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا

[الشورى: 13] معنى هذا القول هو الاتفاق في أصول العقائد التي لا تختلف أبدا باختلاف الأزمان. ففي بدء الإسلام نجد أنه جاء ليؤصل العقيدة أولا بلا هوادة، فنادى بوحدانية الله، وعدم الشرك به، وصفات الكمال المطلق فيه، وعدم تعدد الآلهة. أما بقية الأحكام الفعلية فقد جعلها مراحل. وكان يخفف قليلا فقليلا. إذن فالمراحل إنما جاءت في الأحكام الفعلية، أما العقائد فقد جاءت كما هي وبحسم لا هوادة فيه. إذن فقوله الحق: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ﴾. هذا القول مقصود به العقائد. ومادام قد شرع لنا في الدين ما وصى به نوحا، فهذا توصية بأفعال تتعلق أيضا بزمن نوح، وسبحانه الذي وضع لنا المنهاج الذي نسير عليه في زماننا. إذن فالأمران متساويان. والمهم هو وحدة المصدر المشرع. ويقول الحق: ﴿ ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾. فلو شاء لجعل " افعل " ولا " تفعل " واحدة في كل المناهج، ولكن ذلك لم يكن متناسبا مع اختلاف الأزمان والأقوام الانعزالية قبل الإسلام بداءاتها المختلفة لذلك كان من المنطقي أن تأتي الأحكام مناسبة للداءات. ﴿ ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا ﴾ [المائدة: 48] وسبحانه وتعالى لو شاء لجعلنا أمة واحدة في " افعل " و " لا تفعل " ولكنه - سبحانه - لم يرد ذلك حتى لا يألف الناس العبادة وتصير كالعادة عندهم، فحينما يألف الناس أداء العبادات، فهم بذلك يحرمون لذة التكليف والإيمان بالتكليف، فكان لا بد أن يأتي التشريع مناسبا لكل زمان. وذلك ليفرق بين قوم وقوم ففي الصوم - على سبيل المثال - نجد أن الحق يسمح لنا بالطعام والشراب والجنس في الفترة ما بين الإفطار والسحور فالحق يأتي إلى الشيء الرتيب ويأتي فيه أمر الله بالامتناع عنه لفترة زمنية معينة. ولا يقرب المؤمن هذه المحرمات في زمان معين، ولا يقرب غيرها في أي زمان ومكان. مثل شرب الخمر، أو أكل لحم الخنزير. والمؤمن لا يقرب هذه الأشياء بطبيعة اختياره. ويأتيه الصوم ليعلمه ويدربه على الانصياع للتكليف فيحرمه الحق من الطعام طول نهار شهر رمضان وكذلك الشراب والجنس. المسألة - إذن - ليست رتابة أبدا. بل هي ابتلاء واختبار البشر ﴿ ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم ﴾ والابتلاء - كما نعلم - ليس أمرا مذموما في ذاته، هو مذموم باعتبار ما تؤول إليه نهايته، ومادام سبحانه يبتلينا فيما آتانا فيجب أن نكون حكماء وأن نتسابق إلى الخير: ﴿ فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾ [المائدة: 48] والتسابق إلى الخيرات إنما يكون بهدف النجاح في الإبتلاء، والنجاح يعطينا أكثر مما ننال بعدم الانصياع.

إذن فالابتلاء في مصلحتنا لإنه يعطي الناجحين فيه نجاحا أخلد، وقصارى ما يزينه الشيطان للناس أو ما تتخيله نفوس الناس، أن تمر الشهوة العابرة وتنقضي في الدنيا العابرة. وبعد ذلك يأتي العذاب المقيم. وعندما نوازن هذا الأمر كصفقة نجدها خاسرة، لكن إن نجحنا في ابتلاء الله لنا فذلك هو الفوز العظيم: ﴿ فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾. أي تسابقوا في الوصول إلى الخيرات، لأن الخير إنما يقاس بعائده، فإياكم أن تفهموا أن الله حرمكم شهوات الدنيا لأنه يريد حرمانكم، ولكنه حرمكم بعضا من شهوات الدنيا لأنها مفسدة. وكان التحريم لزمن محدود ليعطيكم نعيم ومتع الآخرة المصلحة في زمن غير محدود، وهذا هو كل الخير. ﴿ إلى الله مرجعكم جميعا ﴾ والكل يرجع إلى الله سواء الملتزم أو المنحرف، وأمام الحق نرى القول الفصل: ﴿ فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾. ومادام هناك اختلاف فلا بد أن يوجد من أخذ جانب الخير ومن أخذ جانب الشر، ولو أن الله قال لنا: " ستأخذون الخير " وسكت عن الشر لكان ذلك كافيا، لكنه يعطينا الصورة الكاملة. ويتبع ذلك قول الحق: ﴿ وأن احكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٧٠