فإن صادف أن العقل بحث في الشيء معمليا وتجريبيا وصل ميلاد السر مع البحث. وإن جاء ميلاد السر في الكون، ولم يشغل الإنسان نفسه ببحث مقدمات توصل إليه، وأراد الله ذلك الميلاد للسر فماذا يكون الموقف؟ أيمنع الله ميلاد السر لأننا لم نعمل؟. لا. بل يخرج سبحانه السر إلى الوجود كما نسمع دائما عن مصادفة ميلاد شيء على يد باحث كان يبحث في شيء آخر، فنقول: إن هذا السر خرج إلى الوجود مصادفة. وإذا نظرت إلى الابتكارات والاختراعات وأمهات المسائل التي اكتشفت لوجدتها من الصنف الثاني، ونجد المفكر أو العالم وقد غرق في بحث ما، ثم يعطيه الله سرا من أسرار الكون لم يكن يبحث عنه، فيقال عن الاكتشاف الجديد: إنه جاء مصادفة، وحينما جعل الله لكل سر ميلادا، فهو قد أعطى خلقه حياة من واسع فضله، وأعطاه قدرة من فيض قدرته وأعطاه علما من عنده ﴿ وعلمناه من لدنا علما ﴾ ، ووهبه حكمة يؤتى بها خيرا ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ﴾. وهو سبحانه وتعالى يريد من خلقه أن يتفاعلوا مع الكون ليبرزوا الأشياء، وإذا كان سبحانه يريد منا أن ننفعل هذا الانفعال فلا بد أن يضع المنهج الذي يصون طاقاتنا وفكرنا مما يبددهما. والذي يبدد أفكار الناس وطاقاتهم هو تصارع الأهواء، فالهوى يصادم الهوى، والفكرة قد تصادم فكرة، وأهواء الناس مختلفة لذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يضمن لنا اتفاق الأهواء حتى نصدر في كل حركاتنا عن هوى واحد وهو ما أنزله الخالق الأعلى الذي لا تغيره تلك الأهواء. أما ما لا تختلف فيه الأهواء فتركنا لكي نبحث فيه لأننا سنتفق فيه قهرا عنا. ولذلك نقول دائما: لا توجد اختلافات في الأفكار المعملية التجريبية المادية، فما وجدنا كهرباء روسية، وكهرباء أمريكية لأن المعمل لا يجامل. والمادة الصماء لا تحابي. والنتيجة المعملية تخرج بوضوحها واحدة. إننا نرى اتفاق العلماء شرقا وغربا في معطيات المادة التجريبية وتحاول كل بلد أن يسرق من البلد الآخر ما انتهى إليه من نتائج لتدخلها على حضارتها، بينما يختلف الأمر في الأهواء البشرية، فكل بلد يحاول أن يبعد هوى الآخر عن حدوده لأن الأهواء لا تلتقي أبدا، والحق قد وضع حركة الحياة لتنفعل ب " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " مما تختلف فيه الأهواء ليضمن اتحادنا وعدم تعاند الطاقات فينا. بل تتساند معا.
ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن
[المؤمنون: 71] إذن فمنهج الله في كونه إنما جاء لينظم حركة الإنسان فيما تختلف فيه الأهواء. أما الحركة فيما لا تختلف فيه الأهواء فقد تركها سبحانه حرة طليقة: لأن البشر يتفقون فيها قهرا عنهم، لأن المادة لا تجامل والمعمل لا يحابي. ولذلك قلنا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه الله نبيا خاتما أعطى ب " افعل ولا تفعل ". أما بالنسبة للأمر المادي المعملي فقد جعل أمره في ذات النبي صلى الله عليه وسلم.
" فعندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان أهلها يأبرون النخل أي يلقحونه ليثمر. فمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوم يلقحون فقال: " لو لم تفعلوا لصلح ". فلم يأبروا النخل، فخرج شيصا أي بسرا رديئا، وخاب النخل. ومر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا. فقال صلى الله عليه وسلم: " إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل ".
وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال:
" إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر "
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلنها قضية كونية مادية تجريبية معملية:
" أنتم أعلم بأمر دنياكم "