" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى يهودي ويهودية قد زنيا فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود فقال: ما تجدون في التوراة على من زنى؟ قالوا: نسود وجوههما ونحممهما ونحملهما ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما، قال: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين قال: فجاءوا بها، فقرأوها، حتى إذا مر بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: مره فليرفع يده، فرفع يده فاذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه ".
إنهم يريدون الحكم السهل الهين اللين. وقال البعض: إن سبب نزول هذه الآية هي قصة القود. والقود هو القصاص. وقصة القود في إيجاز هي - كما رواها الامام أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنه - أن طائفتين من اليهود هما بنو النضير وبنو قريظة كانتا قد تحاربتا في الجاهلية، فقهرت بنو النضير بني قريظة، فكانت النضير وهي العزيزة إذا قتلت أحدا من بني قريظة وهي الذليلة لم يقيدوهم أي لم يعطوهم القاتل ليقتلوه بقتيلهم. إنما يعطونهم الدية. وكانت قريظة إذا قتلت أحدا من بني النضير لم يرضوا منهم إلا بالقود. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تحاكموا إليه في هذا الأمر فحكم بالتسوية بينهم، فساءهم ذلك ولم يقبلوا. وأي قصة منها هي مؤكدة للمعنى. ومن بعد ذلك يقول الحق: ﴿ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ﴾ والفتنة هي التعذيب بالنار، وسبحانه يقول:
يوم هم على النار يفتنون
[الذاريات: 13] والفتنة أيضا هي الابتلاء والاختبار، ويقال: " فتنت الذهب " أي وضعت الذهب في بوتقة وحولته بالحرارة العالية من جسم صلب إلى سائل حتى تستخلصه من المواد العالقة الشائبة التي فيه ليصير نقيا. والفتنة في ذاتها ليست مذمومة. ولكن المذموم منها هو النتيجة التي تصل إليها أينجح الإنسان فيها أم يرسب لأن الاختبارات التي يمر بها الإنسان كلها هي فتنة، والذي ينجح تكون الفتنة بالنسبة إليه طيبة. والذي يرسب ويفشل فالفتنة بالنسبة إليه سيئة. وعندما يريد الله فتنة بشر أي يريد اختبارهم: أيأتون طوعا واختيارا أم لا؟ ومادام الحق سبحانه وتعالى أعطى للإنسان قدرة الاختيار حتى يثبت صفة المحبوبية فسبحانه أراد ذلك، ولا أحد بقادر أن يجعل الإنسان مقهورا. وقد أراده الله مختارا وأن يبتلى وأن يختبر. أينجح أم يرسب، أيكون مؤمنا أم كافرا: ﴿ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ﴾. وجعل سبحانه ذلك قانونا لخلقه بمنتهى الوضوح، وهناك جانب في الإنسان مسخر، وجانب آخر مخير.
﴿ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ﴾. أي أن أحدا لا يجرؤ أن يغير نواميس الكون ولن يغير الله نواميس الكون من أجل أي أحد لأن النواميس لا بد أن تسير كما أرادها الله حتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد عرفنا ما حدث في أحد عندما تخاذل الرماة ولم يستمعوا إلى نصيحة القائد الأعلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أغير الله سنته من أجل وجود حبيبه معهم؟ لا، وانهزموا على رغم وجود رسول الله معهم لأن الله أراد للسنة الكونية أن تسير كما هي من أجل إصلاح الأمر. فلو فرض أنهم انتصروا من أجل خاطر النبي، ماذا يكون الموقف في أوامره صلى الله عليه وسلم فيما بعد؟ كان من الممكن أن يقول شخص منهم: " خالفناه وانتصرنا ". إذن لا بد لسنة الله أن تنفذ. ﴿ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ [المائدة: 41] لماذا لم يرد الله أن يطهر قلوبهم؟ لأنهم منافقون. وفي قلب المنافق مرض. وعندما تأتي أحداث ينتفع بها المسلمون فالمنافق يزداد حقدا ومرضا لأن قلبه ممتلئ بالغل، ولا يريد الله تطهير قلب إنسان إلا أن يقبل على الله ولذلك قال تعالى: