تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والله لا يهدي القوم الكافرين

[البقرة: 264] وقال سبحانه:

والله لا يهدي القوم الظالمين

[آل عمران: 86] فهل عدم هداية الله لهم نشأت أولا، ثم نشأ الكفر، أو نشأ الكفر منهم فجاء عدم الهداية؟ نعلم أن عدم الهداية مرتبة على أنه ظالم أو كافر، وقلنا من قبل: إن هناك إرادة كونية وإرادة شرعية. والإرادة الكونية هي ما يحدث في كون الله. ولا شيء قد حدث في كون الله غصبا عن الله. والاختيار خلقه الله في الإنسان ليصير الإنسان مخيرا بين الكفر والإيمان. ومادام الحق قد خلق الإنسان مختارا لهذا أو لذلك إذن فهو سبحانه مريد كونيا ما يصدر عن الإنسان اختيارا كفرا أو هداية. لكن أمريد هو سبحانه ذلك شرعا؟ لا. إن الشرع أمر سماوي إما أن ينفذه العبد وإما أن يعصيه. ونعرف أن هناك أشياء مرادة كونيا وأشياء مرادة شرعيا. والمراد الكوني هو الذي يكون: أما الإنسان فقد خلقه الله وله الاختيار، فالذي يسرق لا يسرق غصبا عن الله ولكن ما أعطاه له الله من اختيار ومن طاقة، إما أن يوجهها إلى الخير وإما إلى الشر. ونحن حين ننظر إلى الساعة التي نضعها حول المعصم وقد صنعها الصانع صالحة لأن يديرها الإنسان على توقيت أي بلد، فهل هذا يتم غصبا عن الصانع؟ لا.

وكذلك جهاز " التليفزيون " إن أذعنا فيه برامج دينية فهو صالح للهدف، وإن أذعنا فيه حفلة راقصة فهو صالح لذلك أيضا. والذي صنع التليفزيون جعله صالحا لهذا ولذاك، المهم هو توجيه الطاقة وكذلك الإنسان. والإرادة الكونية هي كل ما يكون في ملك الله، والإرادة الشرعية هي كل ما يكون في شرع الله " افعل ولا تفعل ". ومادام هناك أمر كوني شرعي فالكون قد أوجده الله لخدمة المؤمن والكافر والعاصي، لكن الأمر الشرعي جعله الله للمؤمن. إذن فإيمان المؤمن أراده الله كونا لأنه سبحانه قد وضع الإيمان منهجا، وأراد الله إيمان المؤمن شرعا. وكفر الكافر لم يتم غصبا عن الله. ولكن الإنسان بخلقه مختارا. صار كفره أمرا كونيا، ولكنه غير مراد شرعا، فكفر الكافر مراد كونا غير مراد شرعا. وإيمان الكافر غير مراد كونا وكفر المؤمن غير مراد كونا. وبهذا نكون أمام أربعة أقسام في المراد كونا وشرعا. وهذه هي القسمة العقلية. إذن من يرد الله فتنته كونا فلا راد لإرادة الله فإذا لم يطع الشرع، فذلك لأنه مخلوق صالح للطاعة وصالح للمعصية. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - الوالد يعطي لابنه جنيها ويقول له: أنت حر في هذا المبلغ فإن اشتريت مصحفا أو كتاب دين أو شيئا تأكله أنت وإخوتك فسأكافئك وأستأمنك على أشياء كثيرة. أما إن اشتريت ورق اللعب المسمى " كوتشينة " فسأغضب منك. وحين يذهب الولد ليشتري ورق اللعب المسمى " كوتشينة " ، هل اشترى ذلك غصبا عن أبيه؟ لا. لكن الولد يصبح غير محبوب من أبيه. هذا هو الفارق بين المراد كونا والمراد شرعا. وبين المراد كونا لا شرعا. والمراد شرعا لا كونا. ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ كان ذلك كونا لأنه سبحانه خلقهم قابلين للتطهير وقابلين لغيره، فإن فعلوا أي شيء فهم لن يفعلوه غصبا عن الله لذلك يذيل الحق الآية: ﴿ لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ فكأن معنى ذلك أن في قلوبهم أشياء ضد الطهارة، ولهم في الدنيا خزي. والخزي يطلق على الفضيحة ويطلق على الاستحياء، والمعنيان يلتقيان. وهنا في مجال هذه الآية: أي خزي وأي فتنة؟ إنهما فئتنا المنافقون واليهود. وكان المنافقون كلما فعلوا شيئا ينفضح. وعندما يبيتون أي شيء فإن الله يخبر رسوله بما يبيتون.

ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول

[محمد: 30] وكذلك الذين هادوا: يأتيهم الخزي أي الافتضاح، أي أن يصيروا إلى المسترذل بعد أن كانوا في المستحسن. والرسول صلى الله عليه وسلم دخل المدينة واليهود سادة هذه البقعة سادتها علما لأنهم أهل كتاب، أما الأوس والخزرج فأميون لا يعرفون شيئا. وكان اقتصاد المدينة في أيدي اليهود، من مال وصنعة وزراعة. وعنجهية الجاه. وعندما يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يجدهم السادة، ثم ينفضح أمرهم وكذبهم، ويتم إجلاؤهم،وتسبى نساؤهم ويقتل بعضهم. وعندما يدبرون كيدا لرسول الله، يفضحهم الله، وكل ذلك خزي، وليس الخزي هو الجزاء الوحيد لهم، بل يلقون في الآخرة عذابا أليما. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ سماعون للكذب... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٥٣