إذن كلمة: سامع للكذب لا تؤدي المعنى، ولكن " سماع " تؤدي المعنى، أي أن صناعته هي التسمع، وعندما يقول الحق: ﴿ سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ﴾ أي ألفوا أن يقبلوا الكذب. وكيف يكون مزاج من يقبل الكذب؟. لا بد أن يكون مزاجا مريضا بالفطرة. وما معنى الكذب هنا ومن هم السماعون؟ إما أن يكون المقصود بهم الأحبار والرهبان الذين قالوا لأتباعهم كلاما غير ذي سند من واقع من أجل الحفاظ على مراكزهم. وإما أن يكونوا سماعين للكذب لا لصالحهم هم، ولكن لصالح قوم آخرين. كأنهم يقومون بالتجسس. والتجسس - كما نعلم - يكون بالعين أو بالأذن. وتقدمت هذه الوسائل في زماننا حتى صار التجسس بالصوت والصورة. وكأن الحق يريد أن يبلغنا أنهم سماعون للكذب، أي أنهم يسمعون لحساب قوم آخرين. والقوم الآخرون الذي يسمعون لهم هم القوم الذين أصابهم الكبر والغرور واستكبروا أن يحضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهم في الوقت نفسه لا يطيقون الانتظار ويريدون معرفة ماذا يقول رسول الله، لذلك يرسلون الجواسيس إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم لينقلوا لهم. أولئك السماعون للكذب هم سماعون لحساب قوم آخرين لم يأتوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبرا. وهؤلاء المتكبرون هم كبار اليهود، وهم لا يذهبون إلى مجلس رسول الله حتى لا يضعف مركزهم أمام أتباعهم. وعندما ينقل إليهم الكلام يحاولون تصويره على الغرض الذي يريدون، ولذلك يقول عنهم الحق: ﴿ يحرفون الكلم من بعد مواضعه ﴾. أي أنهم يحرفون الكلام بعد أن استقر في مواضعه ويستخرجونه منها فيهملونه ويزيلونه عن مواضعه بعد أن وضعه الله فيها وذلك بتغيير أحكام الله، وقال الحق فيها أيضا من قبل ذلك:
يحرفون الكلم عن مواضعه
[المائدة: 13] أي أنهم حرفوا الكلام قبل أن يستقر. ﴿ سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ﴾ وهم الذين يقولون لأتباعهم من جواسيس الاستماع إلى مجلس رسول الله: ﴿ إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ﴾. فكأنهم أقبلوا على النبي بهذا، فإن أخذوا من رسول الله معنى يستطيعون تحريفه فعلوا. وإن لم يجدوا ما يحرفونه فعليهم الحذر. ومن دراسة تاريخ القوانين الوضعية نعرف معنى السلطة الزمنية. فالقوانين التي تواضع عليها بشر ليحكموا بها نظام الحياة تأخرت في الظهور إلى الواقع عن نظام الكهنة، فقد كان الكهنة يدعون أن لهم صلة بالسماء ولذلك كان الحكم لهم، أي أن التقنين في الأصل هو حكم السماء والذي جعل الناس تتجه إلى وضع قوانين خاصة بهم أنهم جربوا الكهنة فوجدوهم يحكمون في قضية ما حكما.
وفي القضية المشابهة يحكمون حكما آخر. لقد كان كلام الكهنة مقبولا عندما ادعوا لأنفسهم الانتساب إلى أحكام السماء. لكن عندما تضاربت أحكامهم خرج الناس على أحكام الكهنة ورفضوها ووضعوا لأنفسهم قوانين أخرى. والحكاية التاريخية توضح لنا ذلك: فقد زنى أحد أتباع ملك في العصر القديم وحاولوا أن يقيموا عليه الحد الموجود بالتوراة. لكن الملك قال للكهنة لا أريد أن يرجم هذا الرجل وابحثوا عن حكم آخر. ورضخ الكهنة لأمر الملك وقالوا: نحمم وجه الزاني - أي نسود وجهه بالحمم وهو الفحم - ونجعله يركب حمارا ووجه إلى الخلف ونطوف به بين الناس بدلا من الرجم. وهكذا أعطت السلطة الزمنية السياسية الأمر للسلطة الزمنية الدينية ليغيروا في القوانين. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حاولوا أن يستغلوا وجوده في استصدار أحكام فيها هوادة ولين. وعرضوا عليه بعضا من القضايا من أجل ذلك، فإن جاء الحكم بالتخفيف قبلوه، وإن كان الحكم مشددا لم يقبلوه. وتكررت مسألة الزنا. وحاولوا الحصول على حكم مخفف من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء رسول الله بالحكم الذي نزل من السماء وهو الرجم. ولكنهم قالوا للرجم لا. يكفي أن نجلده أربعين جلدة وأن نسود وجهه وأن نجعله يركب حمارا ووجهه للخلف ويطاف به. وهنا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس عندكم رجل صالح له علم بالكتاب؟ وهنا صمتوا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن " فدك " يقال له: " ابن صوريا ". فقالوا: نعم، هو أعلم يهود على وجه الأرض. فأمر الرسول بإحضاره ليرى الحكم النازل في الزنا بالتوراة، وجاء الرجل وناشده رسول الله بالذي لا إله إلا هو وبحق من أرسل موسى، وبحق من أنزل التوراة على موسى، وبحق من فلق البحر، وبحق من أغرق فرعون، وبحق من ظللهم بالغمام. وأراد صلى الله عليه وسلم أن يزلزل فيه كل باطل وأن يشحنه بالطاعة حتى ينطق الحق، فقال ابن صوريا: نعم نجد الرجم للزنا. وهنا سب اليهود الرجل الصالح. لقد أرادوا أن يحصلوا على حكم مخفف من رسول الله لينقذوا الزاني صاحب المقام العالي، وكذلك الزانية ذات الحسب والنسب لذلك قال الحق على لسانهم: ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾. أي التخفيف المراد فخذوه، وإن وجدتم العقاب القاسي فاحذروه ولا تقبلوه. إذن فهم لم يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ابتغاء الحق ولكنهم يبتغون التخفيف. فإن وافق الحكم هواهم قالوا: إن محمدا هو الذي حكم، ومن العجيب أنهم أعداء لمحمد وكافرون به. وبرغم ذلك يحكمونه. هذه الواقعة يرويها الإمام مسلم رضي الله عنه وهي: