تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسارعوا إلى مغفرة

[آل عمران: 133] ولكن هنا نجده يقول: ﴿ يسارعون في الكفر ﴾. ولو قال الحق: " يسارعون إلى الكفر " لكان قد ثبت لهم إيمان وبعد ذلك يذهبون إلى الكفر، لا. الحق يريد أن يوضح لنا: أنهم يسارعون في دائرة الكفر. ويعلمنا أنهم في البداية في الكفر، ويسارعون إلى كفر أشد. ونعرف أن " في " في القرآن نستطيع أن نضع من أجلها المجلدات. فقد قلنا من قبل قال الله تعالى: ﴿ سيروا في الأرض ﴾. ولم يقل سبحانه سيروا على الأرض. والحق سبحانه: وتعالى يقول:

ولا تؤتوا السفهآء أموالكم

[النساء: 5] وهي ليست أموال المخاطبين، ولكنها في الأصل أموال السفهاء. ولكن سبحانه يبلغنا أن السفهاء غير مأمونين على المال، ولذلك يأتي الحق بالوصي والقيم على المال ويأمره أن يعتبر المال ماله حتى يحافظ عليه. ويأمره بألا يخزن المال ليأكل منه السفيه لأن المال إن أكل منه السفيه ودفع له الزكاة، قد ينضب وينفذ. لذلك قال الحق:

ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله لكم قياما

[النساء: 5] ومن بعد ذلك يقول الحق:

وارزقوهم فيها

[النساء: 5] لم يقل ارزقوهم منها، ذلك أنه سبحانه شاء أن يعلمنا أن الرزق مطمور في رأس المال ويجب أن يتحرك رأس المال في الحياة حتى لا ينقص بالنفقة، وحتى لا تستهلكه الزكاة، وحتى يبلغ السفيه رشده ويجد المال قد نما. هذه بعض من معطيات " في ". وهناك آية الصلب:

ولأصلبنكم في جذوع النخل

[طه: 71] بعض المفسرين يقولون في هذه الآية: " لأصلبنكم على جذوع النخل " ونقول: إن الذين قالوا ذلك لم يفسروا هذه الآية وكان يجب أن يقولوا في تفسير ذلك: لأصلبنكم على جذوع النخل تصليبا قويا يدخل المصلوب في المصلوب فيه.

ومثال ذلك لو جئنا بعدو ثقاب وربطناه على الأصبع بخيط رفيع وأوثقنا الربط، فعود الثقاب يغوص في الأصبع حتى يصير وكأنه داخل الأصبع. وعندما يقول الحق: ﴿ ولأصلبنكم في جذوع النخل ﴾ فيجب ألا نفهم هذا القول إلا على أساس أنه تصليب على جذوع النخل تصليبا قويا يدخل المصلوب في المصلوب فيه. وتلك هي العلة في وجود " في " وعدم وجود " على ". والحق يقول هنا: ﴿ لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ فكأن المسارعة إما أن تكون ب " إلى " وإما أن تكون ب " في ". فإن كانت ب " إلى " فهي انتقال إلى شيء لم يكن فيه ساعة بدء السرعة، وإن كانت ب " في " فهي انتقال إلى عمق الشيء الذي كان فيه قبل أن يبدأ المسارعة. ﴿ لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ﴾ فالإيمان محله القلب، والإسلام محله الجوارح ولذلك قال سبحانه:

قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا

[الحجرات: 14] إنهم يسارعون إلى الصف الأول في الصلاة وهذا إسلام، أما الإيمان فمحله القلب. إذن فالذين قالوا بأفواههم آمنا، لهم أن يعرفوا أن منطقة الإيمان ليست الأفواه ولكنها القلوب. وهم قالوها بأفواههم وما مرت على قلوبهم. وماداموا قد قالوا بأفواههم آمنا وما مرت على قلوبهم فهؤلاء هم المنافقون، ومعنى ذلك أنهم في كل يوم ستظهر منهم أشياء تدخلهم في الكفر لأنهم من البداية قد أبطنوا الكفر، وبعد ذلك يسارعون في مجال الكفر. ﴿ من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا ﴾ هم إذن صنفان اثنان يسارعان في الكفر المنافقون الذين قالوا بأفواههم آمنا، والذين هادوا. ويصفهم الحق بقوله: ﴿ سماعون للكذب ﴾ وساعة تسمع مادة " السين والميم والعين " فهذا يعني أن الأذن قد استقبلت صوتا من مصوت، هذا المصوت إما أن يكون متكلما بالكلام الحق فيجذ من الأذن الإيمانية استماعا بإنصات ثم يتعدى الاستماع إلى القبول فيقول المؤمن: أنا استمعت إلى فلان، لا يقصد أنه سمع منه فقط ولكن يقصد أنه سمع وقبل منه ما قال. إننا نعلم أن كثيرا من الورعين يسمعون كذبا، لكن الفيصل هو قبول الكذب أو رفضه. وليس المهم أن يكون الإنسان سامعا فقط، ولكن أن يصدق ما يسمع. ونرى في الحياة اليومية إنسانا يريد أن يصلح شيئا من أثاث منزله فيأتي بالأدوات اللازمة لذلك، ويقال هنا عن هذا الرجل: " نجر فهو ناجر " ولا يقال له: " نجار " لأن النجار هو من تكون حرفته النجارة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٥٠