وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض
[الإسراء: 104] هم بلا جدال يسكنون في الأرض. وجاء هذا القول لمعنى مقصود، ونعرف أننا لا نذكر السكن إلا ويكون المقصود تحييز مكان في الأرض، كأن يقول قائل: " اسكن ميت غمر " أو " اسكن الدقهلية " أو " اسكن طنطا " ، وهذا تحديد لموقع من الأرض للاستقرار، والمعنى المقصود إذن أن الحق يبلغنا أنه سيقطعهم في الأرض تقطيعا بحيث لا يستقرون في مكان أبدا.
وذلك مصداقا لقول الله:
وقطعناهم في الأرض أمما
[الأعراف: 168] فليس لهم وطن خاص. وتمت بعثرتهم في كل الأرض، وهذا هو الواقع الذي حدث في الكون. أوجد لبني إسرائيل استقرار في أي وطن؟. لا. وحتى الوطن الذي أقاموه بسبب وعد بلفور لم يترك الحق أمره. بل أعطى وعده للمؤمنين بأن يدخلوا المسجد إذا ما أحسنوا العمل لاسترداده. ومازال اليهود بطبيعتهم شتاتا في أنحاء الأرض. ولهم في كل وطن حي خاص بهم. وتحتفظ كل جماعة منهم في أي بلد بذاتيتهم ولا يذوبون في غيرهم:
وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا
[الإسراء: 104] وحين يأتي بهم الحق في الجولة الآخرة سيأتون لفيفا أي مجتمعين لأن الأمة المؤمنة حين يقويها الله لتضرب على هؤلاء القوم ضربة لا بد أن يكونوا مجتمعين. وكأن الله قد أراد أن يكون هذا " الوطن القومي " حتى يتجمعوا فيه وبعد ذلك يرسل الضربة عليهم لأنه جاء بهم لفيفا لذلك لا نحزن لأنه قد صار لهم وطن، فقد جاء بهم لفيفا. ونعود إلى الآية التي نحن بصددها. كيف يكون النفي من الأرض؟ حين يرد الله تحييز مكان فهو يقول على سبيل المثال:
ادخلوا الأرض المقدسة
[المائدة: 21] إذن فقد نفى غيرها. وهو يقول أيضا:
يريد أن يخرجكم من أرضكم
[الأعراف: 110] وكان المقصود بها مصر. فإذا أخذنا الأرض بالمعنى العام فحكمها حكم " اسكنوا الأرض ". والنفي هو صورة من صور العقوبات للإفساد، والإفساد في الأرض ينقسم إلى أربعة أقسام قتل، قتل وأخذ مال، أخذ مال فقط، ترويع. وقد زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وفعله في سيرته، فقد جاء لنا بأمر جديد في أمر الإفساد. وكان على العلماء أن يتنبهوا له، فأول نفي حصل في الإسلام كان نفي رسول الله الحكم بن أبي العاص من المدينة إلى الطائف لأن الحكم - والعياذ بالله - كان يقلد مشية النبي باستهزاء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما يتحدر من صبب. فقد كانت مشية النبي مشية خاصة. وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحكم يقلد مشيته في استهزاء والتفت النبي - ذات مرة - فجأة، فوجد الحكم يقلده في مشيته فنفاه من المدينة إلى الطائف، وظل الحكم في الطائف طوال حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما جاءت خلافة أبي بكر الصديق، ذهب أهل الحكم إلى أبي بكر، فقال: - ما كنت لأحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذهبوا إلى عمر بن الخطاب فلم يوافق. وعندما جاءت خلافة عثمان وكان رضي الله عنه حييا وخجولا فقال: لقد أخذت كلمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تحمل شبهة الإفراج عنه. ويفرج عنه عثمان بن عفان رضي الله عنه. وأثناء حياة الحكم في الطائف كان يربي بعض شويهات وبعض غنيمات وكان يرعاها عند جبيلات الطائف. وكان لهذه المسألة آثار من بعد ذلك. فأنتم تعلمون أن معاوية رضي الله عنه أنجب يزيد الذي تولى الخلافة من بعده. وانتقلت الخلافة بعد يزيد لآل مروان بن الحكم. وكان خالد بن يزيد الذي ترك الخلافة لمروان عالما كبيرا في الكيمياء وله أخ اسمه عبد الله، وكان لعبد الله جياد يتسابق بها. وكان لولد من أولاد عبد الملك بن مروان جياد أيضا، وجرت جياد عبد الله مع جياد ابن عبد الملك في مضمار سباق، فلما جاءت خيل عبد الله لتسبق.. حدث خلاف بين عبد الله وابن عبد الملك فنهر ابن عبد الملك عبد الله، فذهب عبد الله واشتكى لأخيه خالد. وهنا ذهب خالد لعبد الملك بن مروان، وقال له: - لقد حدث من ابنك لأخي كذا وكذا. وكان عبد الملك فصيحا في العرب وما جربوا عليه لحنا أبدا. وربى أولاده على ألا يلحنوا في اللغة. وكان له ولد اسمه الوليد غير قادر على استيعاب النطق الصحيح للغة دون لحن. فلما دخل خالد إلى عبد الملك أراد أن يجد فيه شيئا يعيبه به، قال عبد الملك لخالد: أتكلمني في عبد الله وقد دخل علي آنفا فلم يخل لسانه من اللحن؟ وقال خالد - معرضا بالوليد -: والله يا عبد الملك لقد أعجبتني فصاحة الوليد. فقال عبد الملك: إن يكن الوليد يلحن فإن أخاه سليمان لا يلحن. فقال خالد: وإن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالدا لا يلحن. فقال عبد الملك: اسكت يا هذا فلست في العير ولا في النفير. وأظن أن قصة العير والنفير معروفة. فالعير هي التي كانت مع أبي سفيان وعليها البضائع من الشام وتعرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نجا بها أبو سفبان. والنفير هم الجماعة التي استنفزها أبو سفيان من مكة لأنه خاف من المسلمين وكانت زعامتهم لعتبة. فالعير كانت زعامته لأبي سفيان والنفير كانت زعامته لعتبة بن ربيعة، وكان عتبة هو جد خالد لأمه، وأبو سفيان هو جده لأبيه. فقال خالد: ومن أولى بالعير وبالنفير مني، جدي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عتبة صاحب النفير، ولكن لو قلت غنيمات وشويهات وجبيلات وذكرت الطائف ورحم الله عثمان لكان أولى.