تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعلم ما في الأرحام

[لقمان: 34] ويأتي العلم الحديث بالبحث والتحليل، ويقول بعض السطحيين: لا، إن العلم يعرف ما في الرحم من ذكر أو أنثى. ونقول: نحن لا نناقش ذلك لأنها حقيقة كونية وهي لا تتصادم مع الفهم الصحيح للحقيقة القرآنية لكننا نسأل: متى يعرف العلماء ذلك؟ هم لا يعرفون هذا الأمر إلا بعد مضي مدة زمنية، ولكن الحق يعلمه قبل مرور أية مدة زمنية. ثم من قال: إن الحق يقصد ب ﴿ ويعلم ما في الأرحام ﴾ ذكرا أو أنثى فحسب؟ وهل لمدلولها وجه واحد؟ لا، بل له وجوه متعددة فلن يعرف أحد أن ما في الرحم سيكون من بعد إنسانا طويلا أو قصيرا ذكيا أو غبيا شقيا أو سعيدا طويل العمر أو قصير العمر حليما أو غضوبا. فلماذا نحصر " ما " في مسألة الذكر والأنثى فقط؟ إنه هو سبحانه يعلم المستقبل أزلا قبل أن يعلم أي عالم وقبل أن يحصل العالم على أية عينة. ثم هل تذهب كل حامل إلى الطبيب ليفحص معمليا ما الذي تحمله في بطنها؟ طبعا لا، ونحن لا نعلم ماذا في بطنها ولكن الخالق الأعظم يعلم. ثم هل تذهب كل النساء الحوامل في العالم لطبيب واحد؟ بالطبع لا، ولكن الخالق الأعظم يعلم ما في كل الأرحام. إذن فالحقيقة القرآنية لم تصطدم بأية حقيقة كونية، لكن الصدام يحدث عندما نفهم فهما خطأ أن الحقيقة القرآنية في قوله الحق: ﴿ ويعلم ما في الأرحام ﴾ مقصود به العلم بالذكر والأنثى فقط. ومثال آخر، يقول الحق:

والأرض مددناها

[الحجر: 19] ويخطئ البعض الفهم عن الله فيظن أن المقصود بذلك أن الأرض بساط أمام الإنسان. وقد ثبتت للبشر حقيقة كونية هي أن الأرض كروية بالأدلة خلال رحلة ماجلان ثم بالقواعد الخاصة بوضع الأعمدة وظهور أعالي الأشياء قبل أسافلها وغير ذلك، ثم صارت في عصرنا مشاهدة من الأقمار الصناعية. إذن هذه الحقيقة الكونية لا كلام فيها، وكان الخطأ هو فهم مدلول الحقيقة القرآنية والفهم الصواب في مدلول الحقيقة القرآنية الخاصة بقوله تعالى: ﴿ والأرض مددناها ﴾إننا كلما وقفنا في مكان نجد أرضا، أي أن الأرض لا نهاية لها وليس لها حافة.

إذن فسبحانه قد مد الأرض أمام الإنسان بحيث إذا سار الإنسان في أي اتجاه يجد أرضا. ولا يتأتى ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية. لهذا كان الخطأ في فهم مدلول الحقيقة القرآنية لأن التضارب إنما ينشأ من فهم أنها حقيقة كونية وهي ليست كذلك، أو من فهم أنها حقيقة قرآنية على نحو خاطئ، إنهما لا تتعارضان، فالقائل هو الخالق عينه. ولهذا عرفنا متأخرا أن الجو من الأرض وأن الغلاف الجوي يدور مع الأرض، وكنا نقول: سرنا على الأرض، لكنه سبحانه قال وهو العليم:

سيروا في الأرض

[الأنعام: 11] وهو سبحانه علم أزلا أن الجو جزء من الأرض. فمهما سار الإنسان على اليابسة ففوقه الغلاف الجوي. إذن فالإنسان إنما يمشي في الأرض وليس على الأرض. أما إن سار الإنسان فوق الغلاف الجوي فهو يسير فوق الأرض. ونعود إلى قوله الحق: ﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ وقد عرفنا أن النفي هو الطرد والإبعاد، فأي أرض ينفون منها وإلى أي أرض؟ ولا يكون الطرد إلا لمستقر ولا الإبعاد إلا لثابت. وحتى في اللغة نعرف ما يسمى النفي والإثبات. وكل ذلك مأخوذ من شيء حسي فعندما نأخذ الماء من البئر ننزل إلى قاع البئر دلوا، وكل دلو ينزل إلى البئر له " رشاء " وهو الحبل الذي ننزل بواسطته الدلو. إننا ساعة نخرج الدلو من البئر، يكون قد أخذ من الماء على قدر سعته وحجمه. فهل لدينا حركة ثابتة نستطيع بها المحافظة على استطراق الماء إلى تمام حافة الدلو؟ طبعا هذا أمر غير ممكن بل نجد قليلا من الماء يتساقط من حوافي الدلو، وهذا الماء المتساقط يسمى " النفي " لأننا لا نستطيع استخراج الدلو وهو ملآن لآخره بحركة ثابتة مستقرة بحيث تحافظ على استطراق الماء. إن الماء - كما نعلم - له استطراق دقيق إلى الدرجة التي جعلت البشر يصنعون منه ميزانا للاستواء. ومن " النفي " تؤخذ معان كثيرة، فهناك " النفاية " وهي الشيء الزائد. إذن كيف يكون النفي من الأرض؟ وهل نأخذ الأرض بمفهومها العام أو بمعناها الخاص؟ أي الأرض التي حدث فيها قطع الطريق؟ إن أخذناها بالمعنى الخاص فالنفي يكون لأي أرض أخرى. وإن أخذنا الأرض بالمعنى العام فكيف يكون النفي؟ ونرى أن الحق سبحانه قد قال في موضع آخر من القرآن:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٣٢