تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأسكته. إذن. فالنفي كان أول عقاب أنزله الرسول صلى الله عليه وسلم، فهل ما فعله " الحكم " يعتبر فسادا؟. ونقول: إن كل فساد إنما يترتب على الفساد الذي يمس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الحكم يستهزئ بمشية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يقول مشرع ما: إن السجن يقوم مقام النفي ونقول: لا، إن السجن الآن فيه الكثير من الرفاهية. فقد كان السجن قديما أكثر قسوة. والهدف من السجن الإبعاد لتخفيف شرور المفسد وإن كان لا يبعده عن مستقره ووطنه. وذلك أمر متروك للحاكم يفعله كيف يشاء وخاصة إذا لم يكن هناك أرض إسلامية متعددة. بحيث يستطيع أن ينفيه من أرض إلى أرض أخرى. ويتبع الحق هذا بقوله: ﴿ ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ وهذا القول لاحق لعقاب محدد للمفسدين في الأرض المحاربين لله ورسوله وهو: ﴿ أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ﴾. وهذه العقوبات خزي لهم. إن كلمة " خزي " ترد في اللغة بمعنيين مرة بمعنى الفضيحة، " خزي، يخزي، خزيا " ، أي انفضح، ومرة ثانية هي " خزي، يخزي، خزاية وخزي " بمعنى استحى. والمعنيان يلتقيان، فمادام قد افتضح أمر عبد فهو يستحي مما فعل. وتلك الأفعال خزي، كالذي قطع طريقا على أناس آمنين، ونقول لمثل صاحب هذا الفعل: إن قوتك ليست ذاتية بل قوة اختلاسية فلو كانت قوتك ذاتية لاستطعت أن تتأبى لحظة أن يأخذوك ليقتلوك أو يصلبوك أو يقطعوا يدك ورجلك. فقد اجترأت على العزل الذين ليست لهم استطاعة الدفاع عن أنفسهم، وفي هذا خزي لك. خصوصا وأنت ترى من كانوا يخافونك وأنت تنال العقاب. وخزيك الآن هو مقدمة لعذاب آخر في الآخرة، فسوف تنال عذابا عظيما. ﴿ ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾. وكل جزاء في الدنيا إنما يأتي على قدر طاقات البشر في العقاب، ولكن ماذا إذا وكلوا إلى طاقة الطاقات؟. ها هي ذي عدالة الحق تتجلى فهو سبحانه وتعالى يفسح المجال للمسرفين على أنفسهم أولا بالتوبة لأن الله الرحيم بعباده لو أخذ كل إنسان بجريرة فعلها أو عاقب كل صاحب ذنب بذنبه لاستشرى في الأرض فساد كل من ارتكب ذنبا لأنه يئس من رحمة الله فتشتد ضراوته وقسوته. وسبحانه فتح باب التوبة لكل من أسرف على نفسه. وإن لم توجد التوبة لصار المسرف فاقدا. وهب أن واحدا من الذين فعلوا ذلك استيقظ ضميره، فإن تاب قبل أن تقدروا عليه فهناك حكم، أما إن تاب بعد أن يقدر عليه المجتمع فلا توبة له. ويقول الحق: ﴿ إلا الذين تابوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٣٤