تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه المراحل الثلاث يوضحها قوله الحق:

والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين

[آل عمران: 134] وعملية الإحسان مع المسيء أو المعتدي: أهي عملية منطقية مع النفس الإنسانية؟ قد تكون غير منطقية مع النفس الإنسانية، ولكنك أيها الإنسان لا تشرع لنفسك، إنما الذي يشرع لك هو الأعلى من النفس الإنسانية. والخالق يقول لك: لو علمت ما قدمه لك من أساء إليك لأحسنت إليه. لأنك إن أسأت إلى خلق من خلق الله فالذي يثأر ويأخذ الحق لمن أسيء إليه هو رب هذا المخلوق. ويأتي الله في صف الذي تحمل الإساءة. إذن فإساءة العدو لك جعلت الله في صفك وفي جانبك، ألا يستحق ذلك المسيء أن نشكره؟ ألا تقول لنفسك القول المأثور: ألا تحسن إلى من جعل الله في جانبك. إذن هذا هو التشريع: ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ والإحسان هنا خرج بالترقي الإيماني عن مرحلة:

فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم

[البقرة: 194] والإحسان أن تفعل شيئا فوق ما افترضه الله، ولكن من جنس ما افترضه الله والمحسن الذي يدخل في مقام الإحسان هو من يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فهو سبحانه وتعالى يرى كل خلقه. ونعرف قول الحق سبحانه وتعالى:

إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين

[الذاريات: 15-16] ما الذي جاء بالإحسان هنا؟ وتكون الإجابة:

كانوا قليلا من الليل ما يهجعون

[الذاريات: 17] وهل يكلف الله خلقه ألا يهجعوا إلا قليلا من الليل؟ لا. فقد كلف الله المسلم بالصلاة، وأعلمه بأنه حر بعد صلاة العشاء، وله الحق أن ينام إلى الفجر، فإن سمع أذان الفجر فليقم إلى صلاة الفجر. لكن المحسن يريد الارتقاء بإيمانه فيزيد من صلواته في الليل. ويضيف الحق مذكرا لنا بصفات المحسنين:

وبالأسحار هم يستغفرون

[الذاريات: 18] أكلف الله الخلق بأن يستغفروا بالأسحار؟ لا. بل إن الرسول يجيب على رجل سأله عن الفروض الأساسية المطلوبة منه، فذكر له أركان الإسلام ومن بينها الصلوات الخمس المكتوبة، فقال الرجل: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:

" أفلح إن صدق ".

ويضيف الحق في استكمال صفات المحسنين:

وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم

[الذاريات: 19] ونلحظ أن الحق هنا لم يقل: " حق معلوم " إنما قال: ﴿ حق للسآئل والمحروم ﴾ فالحق المعلوم هو الزكاة، أما المحسن فللسائل والمحروم في ماله حق غير معلوم، وذلك ليفسح سبحانه المجال للطموحات الإيمانية، فمن يزد في العطاء فله رصيد عند الله.

والحق يقول: ﴿ فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ﴾ لأن الإحسان إليهم يهيج فيهم غريزة العرفان بالجميل، فيستل ذلك الإحسان الحقد من قلوبهم، ويفتحون آذانهم وقلوبهم لكلمة الحق:

فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم

[فصلت: 34] لأن العداوة لا تشتد إلا إذا وجد مؤجج لها من عداوة في المقابل. فعندما تعامل عدوك بالحسنى ولا ترد على عدائه بالعدوان فكم من الزمن يصير عدوا لك؟ إنه اعتدى مرة وسكت أنت عليه، واعتدى ثانية وسكت أنت عليه. لا بد أنه يهدئ من نفسه. إذن فالعداوة لا تتأجج إلا إذا قابلتها عداوة أخرى. ولذلك نرى ما حدث في المعركة التي قامت بين فرعون وسيدنا موسى عليه السلام حين أراد الله أن يجعل العداوة لا من جهة واحدة ولكن من جهتين اثنتين لتكون معركة حامية لأن العداوة لو كانت من جهة واحدة لهدأ الطرف المعتدي:

فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا

[القصص: 8] فهل هم التقطوه ليكون عدوا؟ لا. لقد التقطوه ليكون قرة عين. ولكن قدر الله سبق. كان الأمل في أن يصير موسى قرة عين آل فرعون، ولكن الله أراد أن يقوموا بتربيته، ثم يصير من بعد ذلك عدوا لهم. وهكذا يتضح لنا أن تدبير السماء فوق تدبير الأرض. وموسى السامري مثلا ربته السماء بواسطة جبريل، وولدته أمه منقطعا في الصحراء، فكان جبريل ينزل عليه بما يطعمه إلى أن كبر، وموسى ابن عمران ذهب إلى فرعون ليربيه، لكن موسى السامري - الذي رباه جبريل - صار كافرا، وموسى بن عمران الذي رباه فرعون أصبح رسولا إلى بني إسرائيل. وكلا القدرين أرادهما الله، ولذلك يقول الشاعر:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٩٦