تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا لم تصادف في بريق عناية

فقد كذب الراجي وخاب المؤمل

فموسى الذي رباه جبريل كافر

وموسى الذي رباه فرعون مرسل

كأن آل فرعون قد قاموا بتربية موسى بن عمران ليكون عدوا لهم لا قرة عين. والعداوة تكون من جهة موسى لفرعون، وتجيء العداوة من فرعون لموسى، فيقول الحق:

فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له

[طه: 39] هكذا صارت العداوة من طرفين. والحق سبحانه وتعالى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصفح عن الخيانات التي تحدث منهم، لعل الوعي الإيماني يستيقظ فيهم، ويقولون: لم يعاملنا بمثل ما عاملناه به، ويعترفون به نبيا رحيما رءوفا كريما، ولا يقفون في وجه دعوته. لكن أيظل العفو والصفح هما كل التعليمات الصادرة من الحق إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؟ لا. فقد مر الأمر الإلهي بمرحليات متعددة فالرسول يستقطب النفس الإنسانية بأن يستعبدها بالإحسان، فإن لم يستعبدها الإحسان فلا بد أن يشمر النبي عن الساعد ويفعل ما يأمره به الله، ولنقرأ قوله الحق:

ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره

[لبقرة: 109] إذن فهناك أمر خفي هو:

حتى يأتي الله بأمره

[البقرة: 109] وسبحانه قد أمر بأن يتركهم الرسول مع الصفح والعفو لمرحلة قادمة يأتي فيها الأمر بتأديبهم. وهذه عملية إنسانية فطرية عرفها العربي الجاهلي وخبرها قبل أن يأتي الإسلام فقد كان العربي يحسن إلى عدوه مرة وثانية وثالثة، وعندما يجد أن الإحسان لم يثمر ثمرته يقاتل العدو، وكما قال الشاعر:

أناة فإن لم تغن قدم بعدها

وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه

من الحلم أن تستعمل الحزم دونه

إذا لم يسع بالحلم ما أنت عازمه

وقال الشاعر:

صفحنا عن بني ذهل

وقلنا القوم إخوان

عسى الأيام أن يرجع

ن قوما كالذي كانوا

فلما صرح الشر

وأضحى وهو عريان

مشينا مشية الليث

غدا والليث غضبان

بضرب فيه تأييم

وتفجيع وإرنان

وطعن كفم الزق

غدا والزق ملآن

وفي الشر نجاة حي

ن لا ينجيك إحسان

وبعض الحلم عند الجه

ل للذلة إذعان

ومثل ما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود، حدث مع النصارى وأورد الحق سبحانه وتعالى هذا فقال: ﴿ ومن الذين قالوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٩٧