تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله

[الزمر: 23] والقسوة مأخوذة من القسي وهو الصلب الشديد، ونعرف أن الدنانير كانت تضرب من الذهب والدراهم تضرب من الفضة. وعندما يفحصها الصيرفي قد يخرج واحدا منها ويقول: هذا زيف أو زائف لأنه قد سمع رنينها، أهي صلبة في الواقع أم لا؟. وعندما تكون صلبة يقال لها: دراهم قاسية. إن الذهب لين. والفضة لينة.

فعندما نقول: إن هذا ذهب عيار أربعة وعشرين أي ذهب ليس به نسبة من المواد الأخرى التي تجعله قابلا للتشكيل لأنه عندما يكون ذهبا صافيا على إطلاقه فلن يستطيع الصائغ أن يصوغ منه الحلي لذلك يخلطه الصائغ بمعدن صلب، حتى يعطيه المعدن درجة الصلابة التي تتيح له تشكيل الحلي منه. وتختلف نسبة الصلابة من عيار إلى عيار في الذهب وكذلك الفضة. والمصوغات المصنوعة من عيار مرتفع من الذهب ليست عرضة للتداول، كالسبائك الذهبية. وإذا ما دخل المعدن الصلب إلى الذهب أو الفضة جعلها قاسية أي صلبة. الصلابة - إذن - فيما يناسبها محمودة. وفيما لا يناسبها مذمومة كصلابة القلوب وقسوتها. ويقول الحق: ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ مثل ذلك نقلهم أمر الله الذي طلب منهم أن يقولوا: " حطة " فقالوا: " حنطة " ﴿ ونسوا حظا مما ذكروا به ﴾ وكانت وسائل النسخ في الكتب التي سبقت القرآن هي نسيان حظ مما ذكروا به، والنسيان قد يكون عدم قدرة على الاستيعاب، لكنه أيضا دليل على أن المنهج لم يكن على بالهم. فلو كانت كتب المنهج على بالهم لظلوا على ذكر منه، كما أنهم كتموا ما لم ينسوه، والذي لم ينسوه ولم يكتموه حرفوه ولووا ألسنتهم به. وياليت الأمر اقتصر على ذلك، ولكنهم جاءوا بأشياء وأقاويل وقالوا إنها من عند الله وهي ليست من عند الله:

فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون

[البقرة: 79] هي أربعة ألوان من التغيير، النسيان، والكتم، والتحريف، ودس أشياء على أنها من عند الله وهي ليست من عند الله. ولنا أن نتأمل جمال القول الحكيم: ﴿ ونسوا حظا مما ذكروا به ﴾ فهم على قدر كبير من السوء بدرجة أنستهم الشيء الذي يأتي لهم بالحظ الكبير، مثل نسيانهم البشارات بمحمد عليه الصلاة والسلام وكتمانها، ولو كانوا قد آمنوا بها، لكان حظهم كبيرا ذلك أنهم نسوا أمرا كان يعطيهم جزاء حسنا، إذن فقد جنوا على أنفسهم لأن الإسلام لن يستفيد لو كانوا مهتدين أو مؤمنين والخسار عليهم هم، ولم يدعهم الله ويتركهم على نسيانهم ليكون لهم بذلك حجة، بل أراد أن يذكرهم بما نسوه. وكان مقتضى ذلك أن ينصفوا أنفسهم بأن يعودوا إلى الإيمان لأن الحق ذكرهم بما نسوا ليحققوا لأنفسهم الحظ الجميل. وقد يراد أنهم تركوا ذلك عامدين معرضين عنه مغفلين له عن قصد. ويقول الحق من بعد ذلك:

ولا تزال تطلع على خآئنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين

[المائدة: 13] أي أن خيانتهم لك يا رسول الله ولأتباعك ولمنهج الله الحق في الأرض ستتوالى، ولا أدل على ذلك مما حدث منهم ضد رسلهم أنفسهم مع أنهم من بني جلدتهم ومن عشيرتهم، إنهم من بني إسرائيل مثلهم، فما بالك بنبي جاء من جنس آخر ليقتحم عليهم سلطتهم الزمنية؟ إذن فخيانتهم لله متصورة.

و " خائنة " بمعنى " خيانة " مثلها مثل " قائلة " وهي القيلولة أي المسافة الزمنية بعد الظهر، وفعلها: قال يقيل أي نام وسط النهار أو " خائنة " أي " نفس خائنة ". أو " خائنة " مثل امرأة خائنة " أو " خائنة " مبالغة كما نقول " راو " و " راوية " ونحن نعني رجلا، أو نقول " جماعة خائنة ". إذن فالكلمة الواحدة هنا مستوعبة لكل مصادر الخيانة منهم، رجل أو امرأة أو جماعة أو كل هؤلاء. والذي يتكلم هنا هو رب العالمين، ويتكلم للعرب وهم أهل فصاحة، إنه أداء لغوي عال. ومن فرط دقة القرآن وصدقه يأتي الحق بقوله: ﴿ إلا قليلا منهم ﴾ طبقا لقانون صيانة الاحتمال. فحين يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم ليبين له موقف اليهود منه، ألا يحتمل أن يوجد قوم من اليهود يغلبهم الفهم العميق فيفكروا في أن يؤمنوا بهذا الرسول، ويهدئوا من شراسة ظنهم به؟ وقد فكر بعضهم وأعلن الإسلام. وهؤلاء القوم عندما يسمعون أحكام الله على اليهود أجمعين، ألا يقولون: وما لنا ندخل في هذه الزمرة ونفكر في أن ننطق بالإيمان؟ فكأن قوله: ﴿ إلا قليلا منهم ﴾ صان قانون الاحتمال أن يكون إنسان منهم فكر في الإيمان. ومن فكر في الإيمان فسوف يجد قوله الحق: ﴿ إلا قليلا منهم ﴾ وسيرى هذا الإنسان في نفسه أن القرآن دليل نزل على نور. وقد كان وأعلن قليل منهم إسلامه، وماذا يكون موقفه صلى الله عليه وسلم بعد أن يخبره الحق: بأنك ستتعرض مستقبلا لخيانتهم؟ ألا يحرك ذلك نفسية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عليهم، فإذا فعل اليهود خائنة فلا بد أن ينتقموا منهم، وتطبيقا للقاعدة الأساسية في رد العدوان بأن من يعتدي عليك فاعتد عليه. لم يشأ - سبحانه - أن يترك الموقف لعواطف البشر مع البشر بل قال: ﴿ فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ﴾ والعفو هو كما نقول: فلان عفى على آثاري، أي أن آثارك تكون واضحة على الأرض وتأتي الريح لتمسحها فتعفي على الأثر. والأمر بالعفو أي امسح الأثر لذنب فعلوه. والخطيئة التي ارتكبوها عليك أن تعتبرها كأنها لم تحدث، ولكن أيظل أثرها باقيا عند رسول الله؟ لا، فالأمر بالصفح يأتي وهناك فرق بين أن تمحو الخطيئة وتبقى أثرها في نفسك وتظل في حالة من الغيظ والحقد. والحق هنا يأمر بالعفو أي إزالة أثرها ويأمر بالصفح أي أن تخرج أثر الخطيئة من بالك لأن الإنسان منا له مراحل المرحلة الأولى بعد أن يرتكب أحدهم ذنبا في حقه، فلا يقابل العدوان بمثله، وهذا هو العفو، والمرحلة الثانية: ألا يترك أثر هذا الذنب يعمل في قلبه بل يأتي الصفح حتى لا ينشغل قلب المؤمن بشيء قد عفا عنه، والمرحلة الثالثة: فرصة مفتوحة لمن يريد أن يتمادى في مرتبة الإحسان وترقي اليقين والإيمان بأن يحسن الإنسان إلى من أساء إليه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٩٥