واحذف لدى اجتماع شرط وقسم
جواب ما أخرت فهو ملتزم
وإن تواليا وقبل ذو خبر
فالشرط رجح مطلقا بلا حذر
والقسم قد تقدم في هذا الآية، لذا نجد الجواب هنا جواب القسم، وهو ﴿ لأكفرن عنكم سيئاتكم ﴾. وقوله الحق: ﴿ أقمتم الصلاة ﴾ يوضح أن الإقامة تحتاج إلى أمرين فروض تؤدى، وكل فرض فيها يأخذ حقه في القيام به. وبعد ذلك ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ وفي كتب الفقه نضع الصلاة، والزكاة في باب العبادات. وجاء التقسيم الفقهي لتسهيل إيضاح الواجبات، لكن كل مأمور به من الله عبادة لأن العبادة هي أن تطيع من تعبد في كل ما أمر به، وأن تجتنب ما نهى عنه، فكل أمر إلهي هو عبادة.
وقلنا من قبل: إن الحق سبحانه قال:
إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع
[الجمعة: 9] وقوله تعالى:
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله
[الجمعة: 10] هنا نجد أمرا تعبديا أن نترك البيع إلى الصلاة، وأمرا تعبديا ثانيا أن ننتشر في الأرض ابتغاء لفضل الله بعد انقضاء الصلاة، وأي إخلال بالأمرين، إخلال بأمر تعبدي فأنت مأمور أن تتحرك في الأرض على قدر قوتك حركة تكفيك وتفيض عن حاجتك ليعم هذا الفائض على غيرك. وقوله الحق: ﴿ وآمنتم برسلي وعزرتموهم ﴾ أي أن ينعقد الإيمان في القلب فلا يطفو الأمر بعدذ لك لمناقشته، وأن تعزروا الرسل، أي وقرتموهم ونصرتموهم، والعزر في اللغة معناه المنع، ولكن المنع هنا مراد به أن يمنع الناس عن رسول الله من يريده بسوء فإن أراد أحد من الأعداء السوء برسول من الله فليمنع المؤمنون هذا العدو عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وأنت في حياتك إن كان لك حبيب أراده إنسان بسوء، وكنت لا تدركه لأنه بعيد عنك فأنت تتمنى أن تأخذ صاحبك وتحميه من أن يناله العدو. لكن إن كان العدو أمامك فأنت تصده عن حبيبك. فالعزر هو المنع، أي أن تمنعه من عدوه وتحول بينه وبينه، أو تمنع عدوه من أن يناله بشر. والرسول بالنسبة للمؤمنين به تكون حياته أغلى من حياتهم، ففي أثناء المنع قد يصاب أحد المؤمنين، وفي ذلك تعظيم للرسول ونصرة له وتوقير. نقول ذلك حتى نرد على الذين يتصيدون ويقولون: علماء المسلمين لا يتفقون على شيء، فمرة يقولون: إن " عزرتموهم " معناها " نصرتموهم " ، ومرة أخرى يقولون: إن " عزرتموهم " معناها " منعتموهم ". ونقول: كل المعاني هنا ملتقية، فالعزر هو الرد والمنع، إما بمنع العدو عن الرسول، وإما أن يمنع الناس الرسول من أن يناله العدو، أو الاثنان معا، ويجوز أيضا أن يكون معنى " عزرتموهم " هو نصرتموهم. وكذلك يجوز أن يكون معناها " وقرتموهم " لأن التعظيم والتوقير هما السبب في نصرة الإنسان للرسول. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ وأقرضتم الله قرضا حسنا ﴾. ويدبر الحق لنا سياسة المال، سواء للواجد أو لغير القادر، فالواجد يوضح له الحق: لا تجعل حركة حياتك على قدر حاجتك، بل اجعل حركة حياتك على قدر طاقتك، وخذ منها ما يكفيك ويكفي من تعول، والباقي رده على من لم يقدر. ولو جعل كل إنسان حركة حياته على قدر حاجته، فلن يجد من لا يقدر على الحركة ما يعيش به.
ولنذكر جيدا أن الحق سبحانه وتعالى قد قال:
قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون
[المؤمنون: 1-4] وحين قال سبحانه: والذين هم للزكاة فاعلون، ليس معناها مجرد أداء زكاة، بل تعني أن يتحركوا في الحياة بغرض أن يتحقق لهم فائض يخرجون منه الزكاة، وإلا فما الفارق بين المؤمن والكافر؟ الكافر يعمل ليقوت نفسه ويقوت من يعول وليس في باله الله، أما مزية المؤمن فهو يعمل ليقوت نفسه، ويقوت من يعول ويبقى لديه فائض يعطيه للضعيف فكأن إعطاء الضعيف كان في باله ساعة الفعل. وهذا هو المقصود بقوله الحق: