تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويرى أبو بكر الكفار وهم يمرون أمام الغار فيقول لرسول الله:

" لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما " ".

وفي ذلك رد كامل لأن الاثنين في معية الله، ومادام المؤمن في معية من لا تدركه الأبصار فلن تدركه الأبصار، كيف؟. نحن لا نعرف كل أسرار الله ولكنه القادر الأعلى. وفي حياة البشر نجد الطفل الصغير قد يخرج بمفرده فيصيبه غيره من الأطفال بالضرر ولكن إذا خرج الطفل مع عائله، مع أبيه مثلا أو مع أخيه الأكبر، فالأطفال لا يقتربون منه فما بالنا ونحن جميعا عيال الله وماذا يحدث عندما نتشبث بمعية الله؟. إذن فتقوى الله هي التي تجعل المؤمن في معية ربه طوال الوقت. ومن يرد المؤمن بسوء فإن جنود الله تحمي المؤمن. ويذيل الحق الآية: ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾. وإياكم أن تقولوا: إننا بلا عدد أو عدة. إنك مسئول أن تعد ما تقدر عليه وتستطيعه وأترك الباقي لله:

وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل

[الأنفال: 60] ويقول التاريخ الإيماني لنا إنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. وقد يقول قائل: هذه المسألة مادية تحتاج إلى عدد وعدد. ونرد: إن الحق قد طالب بأن نعد ما نستطيعه لا فوق ما نستطيعه. وهو سبحانه عنده من الجند اللطيف الخفي الدقيق الذي لا يرى:

سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب

[الأنفال: 12] ومادام الله قد ألقى الرعب في قلوب الأعداء فالمسألة تنتهي ولا تفلح عدد أو عدد. ويكون التوكل على الله بعد أن يعد الإنسان ما يستطيعه وهو الاستكمال الفعال للنصر، ولنعلم أن التوكل غير التواكل. إن المتوكل على الله يقتضي أن يعلم الإنسان أن لكل جارحة في الإنسان مهمة إيمانية، أن تطبق ما شرع الله فالأذن تسمع، فإن سمعت أمرا من الحق فأنت تنفذه، وإن سمعت الذين يلحدون في آيات الله فأنت تعرض عنهم. واللسان يتكلم، لذلك لا تقل به إلا الكلمة الطيبة فلكل جارحة عمل، وعمل جارحة القلب هو اليقين والتوكل، ولنتذكر أن السعي للقدم، والعمل لليد والتوكل للقلب، فلا تنقل عمل القلب إلى القدم أو اليد لأن التوكل الحقيقي أن تعمل الجوارح وتتوكل القلوب، وكم من عامل بلا توكل فتكون نتيجة عمله إحباطا. إننا نجد الزارع الذي لا يتوكل على الله ينمو زرعه بشكل جيد ومتميز ثم تهب عليه عاصفة أو يتغير الجو فيصيبه الهلاك وتكون النتيجة الإحباط. واحذر إهمال الأسباب أو أن تفتنك الأسباب لأنك إن أهملت الأسباب فأنت غير متوكل بل متواكل. تنقل عمل القلب إلى الجوارح. وإذا قال لك واحد: أنا لا أعمل بل أتوكل على الله، قل له: هيا نر كيف يكون التوكل. وأحضر له طبق طعام يحبه. وعندما يمد يده إلى الطعام، قل له: اترك الطعام يقفز من الطبق إلى فمك. ويجعل الحق سبحانه وتعالى من قصص الرسل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبيتا للإيمان وتربية للأسوة وإنماء لها، حتى لا يضيق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يفعله اليهود أو المشركون، فإن كان قد حدث معك - يا محمد - شيء من هذا الإنكار والإيلام، فقد حدث الكثير من تلك الأحداث مع الرسل من قبلك، فيقول سبحانه: ﴿ ولقد أخذ الله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٨٩