تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا

[الجن: 15] والقاسطون هنا هم الظالمون، فالقسط هنا من قسط يقسط قسوطا. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق: ﴿ شهدآء بالقسط ﴾ أي شهداء بالعدل. واللباقة في السامع هي التي توجه اللفظ إلى معناه المراد من خلال السياق، فالسامع للقرآن يفترض فيه الأريحية اللغوية بحيث يستطيع أن يفرق بين الشيء والمشابه له من شيء آخر. إذن فهناك قسط وأقسط، قسط بمعنى عدل، وأقسط بمعنى أقام القسط بإزالة الجور. والقسوط معناه الجور. والحق يقول: ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾ و " المقسطين " هي جمع " مقسط " من: أقسط أي أزال الظلم والجور، إذن فالذي يرجح المعنى هنا سياق الكلمة ومصدرها. وقد يراد بالكلمة المعنى المصدري. والمعنى المصدري لا يختلف باختلاف منطوقه، فيقال: " رجل عدل " ويقال: " امرأة عدل ". ويقال: " رجلان عدل " ، ويقال: " امرأتان عدل " ، و " رجال عدل " ، و " نساء عدل ".

إذن فإن أردنا بالكلمة المصدر فهي لا تتغير في المفرد والمثنى وجمع المذكر وجمع المؤنث. والقرآن الكريم يقول:

ونضع الموازين القسط

[الأنبياء: 47] وهنا قول آخر:

وزنوا بالقسطاس المستقيم

[الشعراء: 182] وفي الريف المصري نجد أن التاجر يصنع لنفسه الموازين من الأحجار، فيعاير قطعة من الحجر بوزن الكيلو جرام، ويعاير قطعا أخرى لأجزاء الكيلو جرام ومن كثرة الاستعمال وملامسة الحجر يعرف التاجر أن الحجر يتآكل، لذلك يعيد وزن الأحجار التي يستعملها في الميزان كل فترة متقاربة من الزمن. ويقال: إنه يعاير الأوزان. وسمي القسطاس فالقسطاس هو الذي تعاير به الموازين، فإذا صنع الإنسان شيئا للميزان مما يتآكل أو يتأثر باللمس فيجب عليه أن يعايره كل فترة حتى لا يظلم أحدا ولو بمقدار اللمسة الواحدة. ولذلك يقول الحق: ﴿ ذلكم أقسط عند الله ﴾ " أقسط " هنا معناها " أعدل ". فموازين الله غير موازين البشر، فموازين البشر قد يحدث فيها اختلاف. ونرى بعض التجار ينقضون الميزان بأن يضعوا شيئا تحت كفة الميزان أو غير ذلك من الخدع، لكن الحق هو العادل الحق. وهو صاحب الميزان الأعدل وهو القائل: ﴿ ذلكم أقسط عند الله ﴾. جاءت هذه الآية لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدر حكما وهو حكم صحيح وعادل بقواعد البشر، فأوضح الحق له الحكم الأقسط، صحيح أن عدلك يا رسول الله لا يدخله هوى ولا يميل به غرض أو شهوة. ولكن العدل عند الله أكثر دقة وله مطلق الدقة. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحكم بمنطق القسط البشري في أمر زيد بن حارثة وكان مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عبدا لخديجة - رضي الله عنها - وهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد فترة علم أهل زيد بخبر اختطافه وبيعه كعبد وكيف آل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء أهل زيد إلى رسول الله وطالبوا بابنهم. ورفض زيد أن يعود معهم وأراد أن يبقى مع رسول الله، وأراد رسول الله أن يكرم زيدا الذي فضله على أبيه وأهله مصداقا لقول الله:

النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم

[الأحزاب: 6] لذلك كان لا بد للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقدر زيد بن حارثة فأعتقه ودعاه " زيد بن محمد " تكريما له، على عادة العرب في تلك الأيام. لكن الله يريد أن يلغي مسألة التبني:

وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم

[الأحزاب: 4] وأجرى الله الأحداث ليصحح مسألة التبني لكل العرب، وكان بداية تطبيق ذلك على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينزل القول الحق:

ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله

[الأحزاب: 5] لم ينف الله القسط عن محمد، ولكن الأقسط يأتي من عند الله. ويطيب الله خاطر زيد بعد أن عاد إليه اسمه الفعلي منسوبا لأبيه لا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكافئ الله زيدا بأن يجعل اسمه هو الاسم الوحيد في الإسلام الذي يذكر في القرآن ويتعبد المؤمنون بتلاوته إلى أن تقوم الساعة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٨٠