يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا
[آل عمران: 30] إذن فالمؤمن يجب أن يوضح حركة قيامه وينميها، بمعنى أن يجعل كل حركته لله فإن كانت كل حركته لله، فالله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا. والخاسرون هم الذين يعملون للناس لأن الناس لا يملكون لهم نفعا وربما تخلوا عنهم وربما أضمرت وحملت قلوبهم الضغن والحقد لمن أحسن إليهم، وربما تحولوا إلى أعداء لهم، فالمصنوع له الجميل قد يعطيه الله بعضا من الجاه، وحين يلقى صانع الجميل بعد ذلك قد تتخاذل نفسه وتذل، ونرى في بعض الأحيان واحدا يجلس بين الناس وقد أخذته العزة، ثم يدخل عليه إنسان كان له فضل عليه، وساعة يراه يكره وجوده في مجلسه، ويتمنى ألا يحدث هذا اللقاء وإذا ما لقيه بعد ذلك في طريق فهو يشيح بوجهه لأن الذي صنع الجميل يسبب حرجا له، ويجعل نفسه تتضعضع، وهو يريد أن يستكبر على الناس.
إذن فالله يوضح: اعملوا لله لإنه لا يضيع عنده شيء. واعلموا أن الله رقيب عليكم ولن يضيع عمل عنده. وعندما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإحسان قال:
" أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "
أتستطيع أنت أيها الإنسان أن تصنع في إنسان آخر ما يسوؤه أمامه؟. أنت تسيء إلى الآخر من وراء ظهره. فلماذا إذن يسيء الواحد منكم إلى الله بالعصيان، وهو الناظر إليكم جميعا؟ إذن حين يريد الحق سبحانه وتعالى أن تحسن معاملة نفسك وغيرك فعليك أن تحتسب كل عمل لك عند الله. فقد سخر لنا الحق كل الوجود وأعطانا كل مقومات الحياة، ويوضح لكل واحد منا: يا عبدي اجعل كل قيامك لله ولا تكن قائما فقط ولكن كن قواما.. بمعنى أنه مادامت فيك بقية من العافية للعمل فاعمل، ولا تعمل على قدر حاجتك فقط، ولكن اعمل على قدر طاقتك لأنك لو عملت على قدر حاجتك فإن الذي لا يقدر على العمل لن يجد ما يعيش به. إذن فاعمل على قدر طاقتك لتتسع حركتك للناس جميعا. ويكون الفائض من عملك لغيرك. وحين يقول سبحانه: ﴿ كونوا قوامين لله شهدآء بالقسط ﴾ يعلمنا ألا نضيع مجهودنا هباء، بل نوجه المجهود للعمل ونقوم به لوجه الله، لأنه سبحانه لا ينسى أبدا جزاء عبده، وهو الذي يرد كل جميل. إنه - سبحانه - يقول:
هل جزآء الإحسان إلا الإحسان
[الرحمن: 60]. ويقول أيضا:
إن الله لا يضيع أجر المحسنين
[التوبة: 120] وحين يكون الواحد منا قواما لله يكون قد استغل حركة وجوده لخير خلق الله، وهذا العمل مطلوب منك. ولا يكفي أن تكون حركتك محصورة في ذلك، بل يجب أن تمتد أيضا حركة حياتك لتكون شاهدا بالعدل. وكذلك توجه للعدل من تحدثه نفسه أن ينحرف. وحين تكون قواما لله فهذا أمر حسن، وعليك أن تحاول إقناع غيرك بأن يكون قيامه لله بأن تكون شاهدا بالقسط والعدل. وحين تكون شاهدا بالقسط والعدل لا يتمادى ظالم في ظلمه. فالذي يجعل الظالم يشتد ويستشري ظلمه ويتفاقم شره هو أنه يجد من يدلسون على العدالة ويسترون ويخفون العيوب ويخادعون الناس.
لكن لو وجد الإنسان الذي ينير الطريق أمام العدالة لما وجد ظلم. لكن الظالم يحب من يدلس عليه فيقول لنفسه: إن فلانا ارتكب جريمة مثل جريمتي ونال البراءة. وتدليس الشهادة يقود إلى خراب المجتمعات. ولو أن المجتمع حينما يرى أن شهادة أفراده هي شهادة بالقسط وشهادة بالعدل، فإن كل فرد في المجتمع إذا هم بظلم يرتدع قبل أن يفعل الظلم، ولكان الظالم ينال عقابه ويصير مثالا لارتداع غيره. والمؤمن مطالب بالقيام لله بإصلاح ذاته، ومطالب ثانيا أن يشهد بالقسط والعدل لإصلاح غيره. وكلمة " القسط " تأتي منها اشتقاقات كثيرة، وهي من الألفاظ التي قد تدل على العدل وقد تدل على الجور، وهي من الألفاظ التي تستعمل في الأمر وفي نقيضه. وهذا من محاسن اللغة. ويتطلب ذلك أن يمحص السامع الكلمة ويتعرف على معناها بما يتطلبه السياق. " وقسط " معناها " عدل ". والفعل المضارع لها هو يقسط. والمصدر " قسطا " ، ومرة يكون المصدر " قسوطا ". والمصدر هو الذي قد يحول المعنى من العدل إلى الجور. فالقسط بمعنى العدل. وقسط يقسط قسوطا. أي جار وظلم. هنا نجد الفعل يأتي بالمعنى وضده حتى يمتلك السامع اليقظة والفطنة التي تجعله يعرف التمييز بين معنى العدل ومعنى الجور. وحين نقول " أقسط " فإنها بمعنى عدل، وهنا ننتبه إلى ما يلي: أن هناك فرقا بين عدل يأتي من أول الأمر وذلك هو القسط، وهناك حكم ظالم يحتاج إلى حكم آخر يزيل الظلم. وذلك الذي نستعمل له " أقسط " أي أزال الظلم. فكأن جورا كان موجودا وأزاله الحكم. فالقسط - إذن - هو العدل الابتدائي. ولذلك نسمع قول الحق سبحانه وتعالى: