فلما قضى زيد منها وطرا
[الأحزاب: 37] لقد صار اسمه في القرآن يتلوه المسلمون إلى قيام الساعة. وفي ذلك كل السلوى. إذن ف ﴿ أقسط عند الله ﴾ جاءت في محلها، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد طلب منا أن يكون قيامنا مبالغا فيه أي ألا نترك فرصة لعمل الخير وأن نبالغ في الدقة في أداء العمل، وأن نعدل في المجتمع بأن نكون شهداء بالقسط. وبذلك يأخذ كل إنسان حقه فلا يقدر قوي أن يظلم ضعيفا لأن الضعيف سيجد أناسا يشهدون معه بالحق. وإياكم أن تأخذوا الهوى في مقاييس العدل. وهب أن المسألة تتعلق بعدوكم أو بخصومكم فالعدل هنا أكثر أهمية وأكثر وجوبا. ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ﴾. أي لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا فتعتدوا عليهم، فمن له حق يجب أن يأخذه. ونعرف القصة التي حدثت، عندما سرق مسلم درع مسلم آخر وأراد السارق وأهله أن يلصقوا التهمة بيهودي وأن يبرئ نفسه، ولكن الله أنزل قرآنا:
إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما
[النساء: 105] أي لا تكن يا محمد لصالح الخائنين مخاصما للبرآء. وقوله الحق هنا: ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا، وإلا سيكون البغض لصالح عدوكم، وبغض المؤمن إذا حمله على اتباع هواه سيكون لصالح العدو لأن الله سيعاقب المؤمن لو أدخل الهوى والبغض في إقامة الميزان العادل. فتحكيم البغض والعداء والهوى يكون لصالح الخصوم لذلك لا يحملنكم أيها المؤمنون شنآن - أي بغض - قوم على ألا تعدلوا. ويضيف الحق: ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ والعدالة حين تطلب مع الخصم هي تقريع لذلك الخصم لأنه خالف الإيمان. ومن المؤكد أن الخصم يقول لنفسه: إن عدالة هذا المسلم لم تمنعه من أن يقول الحق ولا بد أن عقيدته تجعل منه إنسانا قويا، وأن دينه الذي أمره بذلك هو نعم الدين. إذن ساعة تحكم أيها المؤمن بالعدل لخصمك فأنت تقرعه لأنه ليس مؤمنا، لكن لو رأى خصمك أنك قد جرت ولم تذهب إلى الحق، فأنت بذلك تشجعه على أن يبقى كافرا لأنه سيعرف أنك تتبع الهوى. أما إذا رآك وأنت تقف موقفا يرضي الله مع أنه خصم لك، فهو يستدل من ذلك على أن العقيدة التي آمنت بها هي الحق، وأنك تقيم الحق حتى في أعدائك.
وهكذا يقرع الخصم العقدي نفسه، وقد يلفته ذلك إلى الإيمان. ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ أقرب إلى أي تقوى؟ أأقرب إلى تقوى المؤمن؟ أم أن الخصم يكون أقرب إلى التقوى حين يرى المؤمن مقيما للعدل والحق، فلعله يرتدع ويعاود نفسه ويقول: إن الإيمان قد جعل هذا المسلم يتغلب على البغض وحكم بالحق على الرغم من أنه يعلم أنني عدو له. ولنا في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام الأسوة الحسنة، فقد جاءه رجل غريب يسأله طعاما أو مبيتا، فسأله إبراهيم عن دينه. فوجده كافرا، فلم يجب مسألته.وسار الرجل بعيدا، فأنزل الله سبحانه على إبراهيم وحيا: أنا قبلته كافرا بي ومع ذلك ما قبضت نعمتي عنه. وسألك الرجل لقمة أو مبيت ليلة فلم تجبه. وجرى سيدنا إبراهيم خلف الرجل واستوقفه، فسأل الرجل سيدنا إبراهيم ما الذي حدث لتغير موقفك، فقال سيدنا إبراهيم: إن ربي عاتبني في ذلك. فقال الرجل: نعم الرب إله يعاتب أحبابه في أعدائه، وآمن الرجل. وهذا يوضح لنا معنى ﴿ أقرب للتقوى ﴾ فقد صار الرجل الكافر أقرب للتقوى. إذن: فالمعنى النفسي الذي يصيب خصمك أو من يغضبك أو من بينك وبينه شنآن، حين يراك آثرت الحق على بغضك له، يجعله يلتفت إلى الإيمان الذي جعل الحق يعلو الهوى ويغلبه ويقهره، ويصير أقرب للتقوى. وأيضا من يشهد بالقسط هو أقرب للتقوى. ويذيل الحق الآية بقوله: ﴿ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ﴾ فهو - سبحانه - الخبير بما نعمل. وإياك أيها المؤمن أن تصنع ذلك لشهرة أن يقال عنك إنك رجل حكمت على نفسك. ولكن اعمل من أجل الله حتى وإن كان الموقف يستحق منك الفخر. إن كثيرا من الناس يحكمون بالظلم ليشتهروا بين الناس بالعدل، كيف؟ لنفرض أنه قد عرضت عليك قضية هي خصومة بين ابنك وابن جارك الشجاعة الأولى تفرض أن تحكم لابن جارك وهو غير محق على ابنك، لكن الشجاعة الأقوى أن يكون الحق لابنك وتحكم له، أما إن حكمت لابن جارك - وهو غير محق - ففي هذه الحالة تكون قد حكمت بالظلم لتشتهر بين الناس بالعدل! يجب أن يكون الحق أعز عليك من ابنك وابن جارك، وإياكم أن تعملوا أعمالا ظاهرها عدل وباطنها رياء لأننا نعلم أن لكل جارحة من الجوارح مجالا تؤدي فيه وظيفتها فاللسان أداؤه ووظيفته القول، والأذن فعلها أن تسمع، والأنف أداؤه أن يشم، ويجمع الجميع العمل. فالعمل إما أن يكون قولا وإما أن يكون فعلا. قال تعالى: