تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأحزاب 50، لأن ظاهر هذه الآية الكريمة شمول ذلك لجميع المسبيات ولو كن منتزعات قهرا، ولكن الاصطلاح المشهور عند العلماء هو ما قدمنا من الفرق بينهما، وتدل له آية الحشر المتقدمة. وعلى قول قتادة فآية الحشر مشكلة مع آية الأنفال هذه، ولأجل ذلك الإشكال قال قتادة، رحمه الله تعالى إن آية ﴿ واعلموا أنما غنمتم ﴾ الآية، ناسخة لآية

ومآ أفآء الله على رسوله

الحشر 6 الآية، وهذا القول الذي ذهب إليه - رحمه الله - باطل بلا شك، ولم يلجئ قتادة - رحمه الله - إلى هذا القول إلا دعواه اتحاد الفيء والغنيمة، فلو فرق بينهما كما فعل غيره لعلم أن آية الأنفال في الغنيمة، وآية الحشر في الفيء، ولا إشكال. ووجه بطلان القول المذكور أن آية ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء ﴾ الآية نزلت بعد وقعة بدر، قبل قسم غنيمة بدل بدليل حديث علي الثابت في صحيح مسلم، الدال على أن غنائم بدر خمست، وآية التخميس التي شرعه الله بها هي هذه، وأما آية الحشر فهي نازلة في غزوة بني النضير بإطباق العلماء، وغزوة بني النضير بعد غزوة بدر بإجماع المسلمين، ولا منازعة فيه البتة، فظهر من هذا عدم صحة قول قتادة رحمه الله تعالى، وقد ظهر لك أنه على القول بالفرق بين الغنيمة والفيء لا إشكال في الآيات، وكذلك على قول من يرى أمر الغنائم والفيء راجعا إلى نظر الإمام، فلا منافاة على قوله بين آية الحشر، وآية التخميس إذا رآه الإمام، والله أعلم. مسائل من أحكام هذه الآية الكريمة المسألة الأولى اعلم أن جماهير علماء المسلمين على أن أربعة أخماس الغنيمة للغزاة الذين غنموها، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم، ويدل لهذا قوله تعالى ﴿ غنمتم ﴾ ، فهو يدل على أنها غنيمة لهم فلما قال ﴿ فأن لله خمسه ﴾ علمنا أن الأخماس الأربعة الباقية لهم لا لغيرهم، ونظير ذلك قوله تعالى

فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث

النساء 11 أي ولأبيه الثلثان الباقيان إجماعا، فكذلك قوله ﴿ فأن لله خمسه ﴾ أي وللغانمين ما بقي، وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء وممن حكى إجماع المسلمين عليه ابن المنذر وابن عبد البر، والداودي والمازري، و القاضي عياض وابن العربي، والأخبار بهذا المعنى متظاهرة، وخالف في ذلك بعض أهل العلم، وهو قول كثير من المالكية، ونقله عنهم المازري - رحمه الله - أيضا قالوا للإمام أن يصرف الغنيمة فيما يشاء من مصالح المسلمين، ويمنع منها الغزاة الغانمين.

واحتجوا لذلك بأدلة منها قوله تعالى

يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول

الأنفال 1 الآية. قالوا الأنفال الغنائم كلها، والآية محكمة لا منسوخة، واحتجوا لذلك أيضا بما وقع في فتح مكة. وقصة حنين قالوا إنه صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة بعشرة آلاف مقاتل، ومن على أهلها فردها عليهم، ولم يجعلها غنيمة ولم يقسمها على الجيش، فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش واجبا لفعله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة. قالوا وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين، أعطى منها عطايا عظيمة جدا، ولم يعط الأنصار منها مع أنهم من خيار المجاهدين الغازين معه صلى الله عليه وسلم، وقد أشار لعطاياه من غنائم هوازن في وقعة حنين الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة حنين بقوله

أعطى عطايا شهدت بالكرم يومئذ له ولم تجمجم أعطى عطايا أخجلت دلح الديم إذا ملأت رحب الغضا من النعم زهاء ألفي ناقة منها وما ملأ بين جبلين غنما لرجل وبله ما لحلقه منها ومن رقيقه وورقه

الخ قالوا لو كان يجب قسم الأخماس الأربعة على الجيش الذي غنمها، لما أعطى صلى الله عليه وسلم ألفى ناقة من غنائم هوزان لغير الغزاة، ولما أعطى ما ملأ بين جبلين من الغنم لصفوان بن أمية، وفي ذلك اليوم أعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل، وكذلك عيينة بن حصن الفزاري حتى غار من ذلك العباس بن مرداس السلمي وقال في ذلك شعره المشهور

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٣٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٣٧٥